انقلاب الشرعية على الجنوب والعواقب الكارثية

2026-04-18 07:00

 

لم يكن بالحسبان أن تتحول بوصلة الشرعية من اتجاه استعادة صنعاء إلى السيطرة على الجنوب تحت مبرر الحفاظ على الوحدة، قبل تحرير العاصمة، مع الاستعداد المعلن للتحالف مع الحوثي ضد الجنوب إذا لزم الأمر، وهو ما يكشف حجم التناقض في هذا المسار، خاصة مع وجود أطراف تدعم هذا التوجه، الأمر الذي شجع على التصريح به علنًا.

 

التحالف العربي جاء لدعم الشرعية وتمكينها من العودة إلى صنعاء، وليس لإدارة صراع داخل الجنوب، إلا أن ما حدث خلال عشر سنوات كان عكس ذلك تمامًا، حيث لم تتمكن الشرعية من تحرير أي محافظة شمالية بشكل كامل، وأوقفت نشاطها العسكري والسياسي في ذلك الاتجاه منذ وقت مبكر، في مقابل توجيه جهودها نحو الجنوب، من خلال حروب متعددة، شملت تشجيع الإرهاب وتصديره، إضافة إلى استخدام أدوات الضغط المعيشي مثل قطع المرتبات وتعطيل الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه بشكل متعمد، بهدف إضعاف الجنوب ومنع أي استقرار أو تنمية فيه.

 

الجنوب، الذي قاوم غزو 1994، لم يقبل أن يكون تحت السيطرة، وشكّل حركة سلمية منذ عام 2007، ثم كان في طليعة المواجهة خلال أحداث 2015، حيث تمكن من تحرير أرضه خلال فترة قصيرة، في حين كانت الشرعية قد فقدت عاصمتها، وغادرت دون مقاومة تُذكر. ورغم امتلاك الجنوب فرصة إعلان دولته، إلا أنه فضّل تمكين الشرعية من العمل من عدن، لتكون قاعدة لانطلاقها نحو صنعاء، لكن ذلك لم يحدث، بل تعرض الجنوب لعقاب غير مباشر نتيجة إنجازه السريع في التحرير.

 

كان من المفترض أن يمتلك التحالف تصورًا واضحًا لطبيعة الصراع، وأن يدرك تعقيدات المشهد بين الشمال والجنوب، إلا أن السماح بتوجيه القوة ضد الجنوب، وتقديم مبررات مرتبطة بالأمن القومي، يمثل خروجًا عن القوانين والأعراف، ويفتح الباب أمام تبرير تدخلات مماثلة في المنطقة.

 

الحامل السياسي الجنوبي لم يكن نتاج ظرف مؤقت، بل نتيجة تراكم نضالي طويل، فرض نفسه على الأرض سياسيًا وعسكريًا، وأصبح جزءًا من المعادلة، ولا يمكن التعامل معه ككيان قابل للإلغاء بقرارات إدارية أو عسكرية، إذ إن استهدافه أدى إلى اختلال التوازنات، ودفع بالوضع نحو مزيد من التعقيد، وتحويل الجنوب إلى ساحة صراع مفتوحة.

 

كما أن هذا الحامل السياسي حظي باعتراف إقليمي ودولي نتيجة مشاركته في مواجهة الحوثي، ومحاربة الإرهاب، ومشاركته في مؤسسات السلطة، وهو ما يعزز من حضوره في أي تسوية سياسية قادمة.

 

ما يجري يمثل انقلابًا على ثوابت الجنوب، ويقود إلى عواقب كارثية تهدد الاستقرار، وقد عبّر الشارع الجنوبي عن رفضه عبر تحركات واسعة، تؤكد التمسك بالحقوق. استمرار هذا المسار لا يخدم أي طرف، بل يقوض العملية السياسية، ويؤدي إلى فوضى في منطقة حساسة.

 

الحاجة باتت ملحة لمراجعة السياسات القائمة، وإعادة تقييم الأدوار وفق الواقع، مع ضرورة توحيد الصف الجنوبي، وإطلاق حوار وطني يعالج القضايا الداخلية، ويعزز من القدرة على حماية المكتسبات، وتغليب المصلحة الوطنية العامة على أي اعتبارات أخرى.