السياسة لم تكن يوماً نقية أخلاقياً، لكنها كانت تمتلك حتى في أحلك لحظاتها سقفاً أدنى من اللياقة والحسابات الإنسانية. قد يتم شيطنة الخصم في الخطاب، لكنه لا يزال خصماً يُحترم بما يكفي ليبقى الصراع داخل دائرة السياسة، لا دائرة الشوارعية.
أما اليوم، فما يحدث ليس مجرد انحدار بل انهيار منظم لكل تلك الضوابط.
وسائل التواصل (ثم الإعلام الرسمي الذي يقلّدها) حوّلت السياسة من فن إدارة الصراع إلى عرض مسرحي يومي يعتمد على أقصى درجات الإثارة والإهانة والتحقير.
لأن من يدير المشهد لم يعد سياسياً بمعنى الكلمة؛ بل صار مُنتِج محتوى يحسب أرباحه باللايكات والتريندات والغضب المُعبّأ دون هدف ذا قيمة.
النتيجة ماذا؟ فقدان القدرة على تقديم المصالح والتنازلات المتبادلة (لأن الجمهور يعتبره خيانة). فتحول الخصم من خصم إلى عدو وجودي يستحق الإبادة الرمزية.
وفي الاخير تصبح السياسة جسم مجوّف خالي من السياسة نفسها، فتتحول إلى مجرد صراخ في حلبة لا حكم فيها.
هذا ليس تطوّراً طبيعياً لمساحة الحرية الرقمية، بل هو تحوّل هيكلي في طبيعة السلطة: من يملك الخوارزمية يملك الآن أدوات التعبئة أكثر مما يملك السياسي التقليدي. والمفارقة المُرّة أن الجميع حتى من يدّعون الدفاع عن القيم الاخلاقية والدينية يشاركون في اللعبة نفسها، لأن من يرفض قواعدها يُتهم بالضعف أو الخيانة.