بين بياض الوجه وسيادة القانون:

2026-04-23 17:13

 

نقد عرف "إيواء القاتل" وأثره في تأجيج الثأر

 

العرف القبلي هو "الدستور الغير المكتوب" الذي نظّم حياة المجتمعات القبلية لقرون، وكان في كثير من الأحيان حائط صد ضد الفوضى.

 لكن مع تطور الدولة الحديثة ووجود القوانين والمحاكم ، بات لزاماً علينا أن نضع بعض هذه الأعراف المخالفة تحت مجهر النقد والعقل، خاصة تلك التي تصطدم بشكل مباشر مع حق الإنسان في الحياة ومع مبدأ العدالة نأخذ منها أولا: 

عرف "إيواء القاتل وتأمينه"، او ما يسمى " شارد الموت ".:

في الموروث القبلي يُعتبر استقبال القاتل ومنحه "الأمان" وتوصيله إلى مكان آمن " بياض وجه لصاحب الدار " او فعل يرفع قدره ، ويُسمى في الأدبيات القبلية من يقوم به "أبيض وجه". 

لكن لو نظرنا إلى الجوهر بعيداً عن المظاهر، سنجد أن هذا العرف يمثل مخالفة لأوامر الله ولشرعه وطعنة في خاصرة العدالة؛ فهو يمنح المجرم النجاة ليقتل بريء غيره، ويوفر له غطاءً اجتماعياً يجعله يفلت من العقاب الفوري أو من مواجهة عواقب فعله الشنيع ،حتى يقع فيها إنسان بريء بموجب ثقافة " الطارف غريم " .

إن إيواء القاتل هو "تأجيج للثأر" بين ذوي القاتل والمقتول . فعندما يرى أهل القتيل أن قاتل ابنهم يُستقبل بالترحاب ويُحمى ويُؤمّن، ويتنقل من قبيلة إلى اخرى بسبب هذا العرف الهمجي ، يشتعل في صدورهم غضب مضاعف؛ ليس تجاه القاتل فحسب، بل تجاه من آواه أيضاً، بموجب مايسمى " أسلاف  الرباعة " .

هذا السلوك يحول القضية من خلاف بين فردين أو أسرتين إلى صراع يدخل فيه أطراف جدد، مما قد يوسع دائرة الثأر ويجعل من الصعب السيطرة على تداعياته، بل قد يؤدي إلى اقتتال بين قبائل بأكملها بسبب شخص واحد أخطأ.

علاوة على ذلك فإن هذا العرف يضع "هيبة القبيلة" بديلا عن "هيبة الدولة والقانون"! ﴿طبعا هيبة الدولة عندنا اليوم في الحضيض لكن ستأتي الدولة يوماً ما ويسود القانون حتماً ﴾.

يجب ان نفهم أن حماية المجرم هي تعطيل صريح لمسار العدالة، واشعال نار الثأر البغيض ،وتحريض غير مباشر على الاستهتار بالأرواح، فالقاتل حين يعلم أن هناك "داراً" ستؤويه و"وجهاً" سيحميه، قد يسهل عليه الضغط على الزناد وقتل من يريد. 

إن التغيير الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف ماهو "بياض الوجه"؟.

 بياض الوجه الحقيقي هو الوقوف مع المظلوم لا مع الظالم، وفي تسليم الجاني للقضاء لينال جزاءه العادل بالقصاص .

الشهامة الحقيقية هي التي تمنع سفك الدماء وتساعد في إحقاق الحق، وليس توفير ملاذ آمن لمن أزهق روحاً بغير حق. 

 مجتمعنا اليوم بحاجة إلى "ثورة بيضاء" على أعراف لا تخدم إلا الجريمة وتساعد على انتشار ظاهرة الثأر في المجتمع وتغذي ثقافة " الطارف غريم " لتزهق ارواح بريئة بلا سبب ،سوا أنها من قبيلة القاتل .

 يجب أن ندرك أن حماية القاتل هي مشاركة في الجريمة بشكل أو بآخر، وأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بـ "تأمين القاتل" لكي يوصف من آواه بأنه " ابيض وجه " ، بل بالخضوع لشرع الله وقانون الدولة، لضمان وأد الثأر في مهده وحماية مستقبل أجيالنا من دوامات الدم التي لا تنتهي.

مقترح تغيير العرف الخطأ:

اننا نضع هنا رأيا بمقترح لتغيير هذا العرف يدون ويوقع من مراجع القبائل ومشائخها ويعفي صاحب الدار التي يلجأ اليها المجرم من اي عيب او سواده يتلخص في :

عدم ايواء المحدث او مساعدته ويعتبر الامتناع عدم ايواءه عرف قبلي معترف به ومتوافق عليه.

﴿يمنع منعاً باتاً إيواء القاتل او مساعدته او التستر عليه، ويجب على الجميع التعاون لتسليمه للجهات المختصة لينال عقابه ،وفي حال تعذر تسليمه يمنع ايواءه او مساعدته بأي شكل من الأشكال ﴾ .

نتمنى ان نرى الأمن والأمان في مجتمعنا ،وان يتم تغيير الأعراف الجاهلية المخالفة لشرع الله وقوانين البلاد.

 

يتبع إن شاء الله ثقافة "الطارف غريم " .