مقايضة السيادة بالصفقات: كيف روّض المال والخارج جموح "ترمب" (2-2)

2026-04-12 18:43

 

لم تكن عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت إعلاناً عن ترسيخ نموذج جديد للحكم؛ نموذج "الرئيس المقاول" الذي لا يرى في الدولة إلا محفظة استثمارية، وفي الحلفاء إلا "زبائن" دائمين. وبينما تساءل العالم عن سر قبول الأمريكيين لرئيس يفتقر للأهلية السياسية الرصينة، كشفت الأيام أن هذا "القصور السياسي" كان الثغرة التي نفذت منها القوى الخارجية لترويض القرار الأمريكي وتوجيهه لصالح أجندات خاصة.

القبول الشعبي: حين تطغى "البروباجندا" على الأهلية:

استمد ترمب شرعيته من دغدغة مشاعر الأمريكيين المحبطين، مقدماً نفسه كمنقذ من "فساد النخبة". ورغم افتقاره للخبرة الدبلوماسية أقنع جمهوره بأن منطق "الصفقة" هو البديل الأمثل لتعقيدات السياسة الدولية. هذا القبول الشعبي منح ترمب "تفويضاً مطلقاً" للتصرف في شؤون الدولة بعقلية تجارية، مما مهد الطريق لسياسات خارجية لم تكن تُبنى في أروقة وزارة الخارجية بل في الغرف المغلقة للفنادق والمنتجعات.

تريليونات الخليج: استثمار في الحماية أم شراء للولاء؟:

برزت "لغة الأرقام" كأقوى دليل على نهج ترمب حيث سارعت دول الخليج لضخ مبالغ فلكية وُصفت بالتريليونات فور عودته! وهنا يبرز السؤال: لماذا هذه الأموال؟

إن هذه التدفقات المالية لم تكن مجرد استثمارات اقتصادية، بل قد تكون "بوليصة تأمين" سياسية.

لقد استوعبت العواصم الخليجية عقلية ترمب التي تقوم على "الدفع مقابل الحماية". فمن خلال الالتزام باستثمارات ضخمة في البنية التحتية والذكاء الاصطناعي الأمريكي، ضمنت هذه الدول شراء "صمت" واشنطن أو "دعمها" في ملفات إقليمية معقدة. 

وبدلاً من أن يكون الرئيس الأمريكي قائداً ورمزا عالمياً تحول إلى "سمسار" يربط الدعم العسكري والسياسي بحجم الصفقات المبرمة مما جعل السيادة الأمريكية تبدو وكأنها معروضة للبيع لأعلى مزايد.

التبعية لنتنياهو: عندما يصبح الرئيس "تابعاً":

في المقلب الآخر، تظهر التبعية المطلقة لسياسات بنيامين نتنياهو كأحد أكثر فصول حكم ترمب إثارة للجدل، فبينما كان يقبض التريليونات من جهة ،كان يسلم مفاتيح القرار في الشرق الأوسط لليمين الإسرائيلي من جهة أخرى.

 لقد تحول ترمب إلى "صدى" لمطالب نتنياهو ومنفذاً أجندات تخدم بقاء الأخير في السلطة أكثر مما تخدم المصالح الأمريكية العليا.

 هذه التبعية لم تكن نتاج قناعة استراتيجية بقدر ما كانت نتيجة لضغوط اللوبيات والمصالح الشخصية لصهره "كوشنر" وفريقه، مما جعل القرار السيادي الأمريكي يبدو "مرتهناً" ومنقاداً لرؤية نتنياهو التوسعية.

ثمن الهاوي في سدة الحكم:

إن قبول الأمريكيين بترمب رغم عدم أهليته السياسية كلفهم وكلف العالم الكثير، لقد أثبتت حقبة ترمب أن غياب الخبرة السياسية يحول الرئيس إلى "مجرد أداة" سهلة الانقياد لمن يملك المال أو النفوذ الضيق ،وبين التريليونات والخطام الذي وضعه نتنياهو في عنق ترمب، ضاعت هيبة "الدولة العظمى"، ليحل محلها نموذج "الرئيس التابع" الذي يصرفه "النتن" كيفما يشاء، طالما أن الهيبة نزعت وأن الرئيس اصبح تابع .