مسار يناير.. التباين وخطر الانقسام

2026-04-18 11:39

 

في نشأته عام 2017، احتوى المجلس الانتقالي على تعددية رمزية مستمدة من الطيف الجنوبي، لكنها لم ترتقِ إلى تنوع فعلي مُنتِج. ولو تهيأت شروط النضج، لشكّلت رافعة للتعامل مع واقع مأزوم وشراكات معقدة وعلاقات دقيقة مع التحالف والأطراف اليمنية، غير أن ظروف التأسيس لم تكن مواتية.

فالانتقالي، بوصفه كياناً حديث التكوين، نشأ في بيئة غير آمنة، ومحاط بطوق من الخصوم، وتحت ضغط إعلامي مضاد كثيف. وفي مثل هذا المناخ، لا تنمو التعددية الداخلية كدينامية صحية، حتى مع انضمام آخرين اليه.

ومع ذلك، لا يمكن إعفاء قيادة المجلس من أخطاء عدة، ولا من الحاجة الآن إلى مراجعة جريئة ومسؤولة، تضع أساساً لبرنامج مرحلي للتعافي. وهذه مسألة تتطلب نقاشاً مستقلاً.

 

في اللحظة الراهنة، وبعد أحداث كانون وما أعقبها من سعيٍ جاد إلى تقييد المجلس، وصولاً إلى محاولة تفكيك قاعدته الشعبية، يتشكّل داخل الانتقالي، وبين بعض النخب والشرائح المؤيدة له، ما يشبه تيارين أو اتجاهين، في سياق ما يُعرف بجدلية "المابعد"، التي تتجلّى غالباً في تفاعلات متباينة بعد كل ازمة أو مرحلة، تسبق بلورة أي مقاربات مشتركة تستشرف المآلات القادمة.

 

ويمكن، في هذا السياق، تمييز اتجاهين رئيسيين:

 

أحدهما يتعامل مع ما يحدث باعتباره عاصفة مفروضة، تستدعي قدراً من البراغماتية والمواءمة، وقد تنزلق بعض تجلياته نحو التكيف المفرط أو التزلف السياسي.

في المقابل، يتجه جناح آخر إلى استعادة دور المجلس ورفض الضغوط، معتمدًا على القاعدة الشعبية وخطاب الاحتجاج السلمي باعتباره أداة للحفاظ على المعنى واستعادة الزخم.

 

لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذين الاتجاهين، بل في كيفية إدارة العلاقة بينهما. فالمسألة لم تعد اختلافًا في التقدير، بل تقترب من اختبار حاسم: إما تحويل التباين إلى تنوع قابل للاحتواء داخل بنية سياسية واحدة، أو تركه يتضخم تدريجيًا حتى يتحول إلى انقسام فعلي، يُنتج جناحين بلا جسد جامع… وهو السيناريو الأكثر كلفة.

 

وتزداد حدة هذا المسار مع الدور المتنامي للإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، التي لم تعد تعكس التباين بخطاب نقدي بناء، وإنما تسهم في تضخيمه، وإعادة إنتاجه في صورة استقطاب حاد. كما أن الإجراءات التي تستهدف الحضور المؤسسي والجماهيري للمجلس قد تعمّق الفجوة، وتدفع نحو فرز مبكر بين الصمت والمواجهة.

 

من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة فتح قنوات تواصل فاعلة وتحييد التراشق الإعلامي، وكبح نزعات الاستعراض في الفضاء الرقمي، وإعادة ضبط السردية السياسية بما يسمح بتحويلها من أداة تصعيد إلى أداة احتواء.

 

وفي هذا الوقت بالذات فإن الخطر لا يكمن في التباين ذاته، بل في عجز البنية الاجتماعية السياسية عن احتماله، ومن هنا ينتج غياب بعض النخب الفاعلة قوة سالبة تكرس حالة العطب و تعطل آليات التصحيح الذاتي. لذلك يصبح تضييق فجوات التباينات أولوية قصوى فهذه مرحلة مختلفة عن سابقاتها.

احمـــــــــــدع