لم يعد المشهد السياسي في العاصمة عدن ضبابياً فحسب، بل وصل إلى مرحلة من الخطورة تستوجب المصارحة وكشف المستور. فما نراه اليوم ليس عملاً سياسياً ناضجاً، بل هو "سوق للمصالح العابرة" تديره قوى كانت بالأمس تملأ الدنيا ضجيجاً بشعاراتها النارية، واليوم تتفكك روابطها عند أول اختبار جاد، لتثبت أنها مجرد تحالفات ورقية لا تصمد أمام الرياح، فكيف لها أن تواجه العواصف؟
"الاستثمار في لحظة الانتفاع"
لقد رصد محرر شبوة برس في مقال أ. د. أحمد الشاعر باسردة، قراءة دقيقة لمسيرة المجلس الانتقالي الجنوبي مع هؤلاء المتسلقين. فبالأمس القريب، حين كان المجلس في أوج قوته ونفوذه، تحول إلى قبلة للمتهافتين الذين اصطفوا طوابير لنيل الرضا والمناصب. لم يكن ذلك الاصطفاف إيماناً بمشروع استعادة الدولة أو قناعة بقضية الجنوب العادلة، بل كان حساباً بسيطاً للمصلحة الذاتية؛ استثماراً سياسياً في لحظة انتفاع، حيث المغانم قريبة والثمن الوطني لدى هؤلاء زهيد.
هروب المصلحيين عند اشتداد العواصف
تجار المواقف، كما يصفهم باسردة، هم بارعون في قراءة الخرائط؛ يضعون أقدامهم حيث يجدون المكسب بأقل جهد. واليوم، حين تبدلت المعطيات واشتدت الأزمات الاقتصادية والأمنية، وقلّت الغنائم وصارت فاتورة الثبات باهظة، انفضّت تلك الحشود من حول المجلس الانتقالي كما ينفض الغبار عن الثوب. تركوه يصارع الأمواج وحيداً، لأن البقاء معه لم يعد صفقة رابحة في قاموسهم النفعي.
محرر شبوة يؤكد: أن الأوطان لا تبنيها الصفقات الموسمية
إن جوهر "تجارة المواقف" يكمن في غياب المبدأ؛ فلا ولاء إلا للطرف الأقوى، ولا ثبات إلا حيث تتدفق الأرباح. هؤلاء يقفزون من سفينة إلى أخرى بلا خجل، ويغيرون جلودهم السياسية كما يغيرون قمصانهم، وهنا يكمن الخطر الحقيقي على مشروعنا الوطني الجنوبي.
إننا في شبوة برس نؤكد ما ذهب إليه الدكتور باسردة: الأوطان لا تُبنى بأيدي من يتعاملون معها كشركة مساهمة. فمن يبيعك في العاصفة لن يشتريك في السلم، ومن هانت عليه عشرة الطريق في أول منعطف لا يمكن ائتمانه على مصير شعب أو مستقبل أجيال.
ثبات الشرفاء في زمن الانكسار
إن رجال الجنوب الحقيقيين هم من يظهر معدنهم حين يهرب الانتهازيون؛ هم الذين يثبتون حين تزلزل الأرض، ويدفعون كلفة الثبات من أمنهم وراحتهم بصمت، لأنهم يرون الوطن التزاماً أخلاقياً وتاريخياً لا فرصة استثمارية. لا يبحثون عن كاميرا ولا ينتظرون تصفيقاً، لأن بوصلتهم هي الضمير الوطني.
عدن اليوم، وهي تواجه هذه المؤامرات، لا تحتاج إلى سماسرة يتاجرون بأوجاع أهلها ويحولون آلام الناس إلى سلم للصعود، بل تحتاج إلى المخلصين الذين يؤمنون أن الوطن لا يُترك وحيداً حتى لو تخلى عنه الجميع، وأن الكرامة والسيادة الجنوبية لا تُباع في مزادات النخاسة السياسية.