أيُّ مشروع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي لا يمكن أن يُكتب له النجاح بمجرد النوايا أو الشعارات والدعاية المرافقة، بل يقوم أساسًا على دراسة دقيقة لمختلف جوانبه قبل الشروع فيه. فالعقل الاستراتيجي لا ينشغل فقط برسم مسارات النجاح، بل يولي اهتمامًا أعمق لتشخيص أسباب الفشل المحتملة، لأن تجنّب الفشل هو الطريق الأقصر نحو بلوغ الهدف.
غير أن الإشكالية الحقيقية تبرز حين يُقفز إلى مشاريع كبرى دون توافر الشروط الموضوعية اللازمة لنجاحها. فالمغامرة غير المحسوبة لا تُنتج إنجازًا، بل تُرسي أزمات مركّبة يصعب تداركها. ولذلك، فإن المسؤولية تقتضي أولًا تهيئةَ البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبناءَ الأدوات القادرة على حمل المشروع وإنضاجه، قبل الإعلان عنه أو محاولة فرضه أمرًا واقعًا.
وثمة نماذج كثيرة في التاريخ تجسّد هذا النمط من الفشل المُكلف. ولعل مشروع الوحدة بين اليمن والجنوب من أبرزها وأشدّها دلالةً؛ إذ لم يكن مجرد تجربة سياسية عابرة، بل تحوّل مع الزمن إلى نموذج صارخ للثمن الباهظ الذي يدفعه الإنسان حين تُبنى المشاريع الكبرى على غير أسسها. فمشروع وحدة لم يقم على شراكة حقيقية واعتراف متبادل، حمل منذ لحظته الأولى بذور أزمته. لقد جرى تجاوز الشروط الموضوعية الضرورية لنجاح أي مشروع وحدوي، في مقدمتها: إرساء مؤسسات عادلة، وتكافؤ في النفوذ، وضمانات راسخة لعدم الإقصاء.