الشارع الجنوبي ونظرية الصدمة..!

2016-12-30 01:53

 

منذ سنوات، يسود الشارع الجنوبي مزاج يتجه بقوه نحو التمسك بخيار استعادة الدولة وفك الإرتباط وإنهاء مشروع الوحدة اليمنية، التي قامت في 22 مايو من العام 1990م. وتعزز هذا المزاج بعد أن لمس الجنوبيون أنهم باتوا قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مطلبهم هذا، خاصة بعد تحرير معظم محافظات الجنوب من احتلال مليشيا الحوثي والمخلوع صالح.

ما إن وضعت الحرب أوزارها حتى سادت لدى قطاع واسع من الجنوبيين رغبة معلنة وبقوة لإنهاء كل عرى الوحدة، والتخلص من كل ما يربط الجنوب بالدولة المركزية في صنعاء، ومن ذلك إنهاء الإرتباط بحكومة دولة الوحدة، التي كانت وقتئذ تتخذ من العاصمة السعودية الرياض مقراً لها. شجعهم على ذلك وجود قيادات جنوبية على هرم السلطات المحلية يتبنى أغلبها وبحماس مطلب فك الإرتباط عن الشمال. وفي هذا الإتجاه، ارتفعت عقب الحرب في معظم مدن الجنوب أصوات عالية ترفض إعلان عدن عاصمة مؤقتة لدولة الوحدة، وبالتالي رفض استقبال الحكومة المركزية فيها.

 

أدركت الحكومة اليمنية، ومن خلفها دول "التحالف العربي"، صعوبة الوضع الذي آلت إليه الوحدة، والذي كان من نتائجه تعقيد الحلول وتضاؤل فرص التوافق على تسوية شاملة تحفظ كيان الوحدة اليمنية، وتنسجم مع التوجهات الإقليمية والدولية لحل الأزمة اليمنية، ولذلك عمدت الحكومة إلى تطبيق نظرية الصدمة لإعادة ضبط إيقاع الشارع ولو بنسبة بسيطة، بإدخاله في دوامة من الأزمات المتكررة والمعقدة، لدفعه ليتقبل ولو على مضض خيارات كان قبل ذلك يرفضها وبشدة.

 

الشارع الجنوبي يحتاج إلى تطبيق نظرية الصدمة على الحكومة

 

في أوج نشوة النصر التي عاشها الشارع الجنوبي، وتعالي الأصوات المنادية بفك الإرتباط، ارتأت الحكومة أن أهم عمل يمكنها القيام به لمواجهة ما يحدث هو عدم القيام بأي عمل يمكن الجنوبيين من الإستقرار، ومن ثم البدء في خطوات بناء دولة مستقلة وفرض الأمر الواقع، لاسيما في ظل انشغال الشمال بالحرب الدائرة على أرضه. وتطبيقاً لذلك، تخلت الحكومة اليمنية عن كل مهامها، وامتنعت عن تقديم أي دعم للسلطات المحلية في عدن وباقي المحافظات، فكان من نتائج ذلك انهيار معظم الخدمات الضرورية؛ إذ توقفت مرتبات موظفي الدولة، ووصلت الكهرباء إلى حافة الإنهيار، وانقطعت مياه الشرب عن منازل المواطنين، وطفحت مياه الصرف الصحي، واختفى الغاز المنزلي، وانعدمت المشتقات النفطية وارتفعت أسعارها، فيما وصلت الحالة الأمنية إلى أسوأ أوضاعها على الإطلاق، حتى صنف إعلاميون وباحثون عدن كأكثر مدينة تشهد عمليات اغتيالات وبصورة شبه يومية.

 

تسببت كل هذه الضغوط في الدفع بكثير من الجنوبيين المتشددين في موقفهم من قدوم الحكومة إلى عدن إلى تعديل هذه المواقف، عبر تقبل فكرة التعامل معها، بل تحولوا إلى مطالبين بضرورة عودة هذه الحكومة إلى عدن للقيام بواجباتها، مبدين استعدادهم لتوفير الحماية لها والتعاون معها، وهو ماحدث فعلاً.

وفي هذا الإتجاه، عقد محافظ عدن مؤتمراً صحافياً للتعليق على أزمة الكهرباء دعا خلاله الحكومة للعودة للقيام بواجباتها، وهو ما حدث وكان هذا تحولاً مهماً في حينه. عادت الحكومة إلى عدن، وتحولت المواقف المتشددة الرافضة إلى مواقف مرحبة ومطالبة للحكومة بأن تقوم بدورها في معالجة الكثير من المشكلات التي تؤرق حياة المواطنين. وبات كثيرون يطالبون هذه الحكومة بمغادرة قصر المعاشيق حيث تقيم تحت حماية أمنية مشددة، وأن تنزل إلى الشارع لتتلمس هموم ومعاناة الناس، وأمر كهذا كان يصعب تصور حدوثه في فترة الأيام الأولى لتحرير عدن.

 

الخلاصة: عبر تطبيق نظرية الصدمة التي اتبعتها - بقصد أو بغيره - أدخلت الحكومة اليمنية المواطن في الجنوب في دوامة من المشكلات والأزمات التي مازال بعضها قائماً، كعدم صرف مرتبات معظم موظفي الدولة لأكثر من ثلاثة أشهر وتوقف مؤسسات القضاء والنيابة ومعظم المرافق العامة، وهو ما مكنها بالتالي من ضمان ترحيب الشارع بعودتها رغم ممانعته لذلك سابقاً.

 

ويبدو اللحظة أن الشارع الجنوبي يحتاج بدوره إلى تطبيق نظرية الصدمة على الحكومة، لإقناعها بما لم تقتنع به سابقاً وهو ضرورة أن تتقبل بدورها فكرة القيام بواجبها، والرضوخ لمطالب الجماهير في توفير أبسط متطلبات الحياة الكريمة له.

*نقلاً عن موقع "العربي"