اغتيال شرف الدين : القرار السياسي هو المسؤول

2014-01-27 05:51

 

المشكلة الأمنية في اليمن بما فيها الاغتيالات والتقطعات وتخريب الخدمات سببها سياسي أكثر منه أمني, فالاغتيالات مثلاً احد مظاهر الحياة السياسية في اليمن منذ عقود, وقد أصبح من المعتاد تجاوز تلك الجرائم, وارتقى ذلك المعتاد الى أن أصبح عرفاً سياسياً يمنياً.

 

أغلب القوى السياسية القديمة مارست الاغتيال والتصفيات سواء الداخلية لأعضائها أو الخارجية للخصوم, لذا لا أحد يُحبذ فتح هذا الملف أبداً, وذلك قد يكون مفهوماً عندما يتعلق بالملفات القديمة, لكن الاشكالية تبرز عندما يتواصل المُسلسل منذ عقود والى الآن دون توقف.

 

لم تكن تلك الثقافة موجودة في تاريخ السياسة اليمنية, فقد كان الأئمة يصفون خصومهم بمحاكمات في وضح النهار واعدامات يشهدها المئات, ولم يتجاوز عدد من قتل بتلك الطريقة العشرات, ان لم يكن أقل في عقود ما قبل الثورة, بعد ثورة 62م ودخول الكثير من التيارات الفكرية الجديدة الى الحياة السياسية انتقلت ثقافة الاغتيال الى اليمن, وأصبحت هي الفيصل في الصراع السياسي.

 

اغتيل الكثير بعد الثورة, وتوج ذلك المسلسل باغتيال الرئيس الشهيد ابراهيم الحمدي, الذي اعتبر اغتياله اغتيال للمشروع الوطني في اليمن, ولا نزال ندفع ثمن سكوتنا عن ذلك الى اليوم, تبعه الغشمي, وبعدها تطور العنف السياسي الى مرحلة أخطر من الاغتيال, وهي الإخفاء القسري والاعدام خارج القانون الذي مورس بمنهجية منذ وصول الرئيس السابق صالح الى السلطة.

 

بعد الوحدة ارتكبت عشرات الاغتيالات ضد كوادر في الحزب الاشتراكي اليمني, وكان الحزب وقتها يعرف أنها بتوجيهات من صالح وتنفيذ من محسن, لم ينجروا الى الرد بنفس الاسلوب, وهذه تحسب لهم, لكن بالمقابل كان يجب أن يردوا بقوة وفي وضح النهار ليكبحوا جماح العليين وقتها, سكوتهم كلفهم الكثير, واختتم المشهد بغزوة عدن 94م.

 

عمليات القتل تلك تمت عبر مقاولون من الباطن, افغان عرب, قتلة مأجورين, وكان يتم الدفع نقداً عن كل رأس مبلغ معين, والأجهزة الأمنية تغطي على تلك الجرائم, بمنحهم تراخيص حمل السلاح, وبعدم تعقب الجناة او مكالماتهم, وعدم اعتراضهم بعد التنفيذ, وفي حالة وقع بعض هؤلاء خطاً في احدى النقاط او أي جهة أمنية أخرى, كان يتم التوجيه سريعاً بإطلاق سراحه وتسهيل مُغادرته.

 

اطمئن المنفذون وأصبحت تلك المهنة رائجة, ولها مُقاولون معروفون بالاسم, ويتناقل الناس قصصهم علانية, وتعرفهم الأجهزة الأمنية حق المعرفة, لكن القرار السياسي كان هو من يدفع للتنفيذ ولطمس المسرح وتسهيل الافلات من العقاب.

 

اعترف طارق الفضلي في برنامج تلفزيوني مع رحمة حجيرة بمسؤوليته ومجموعة من الأفغان عن بعض العمليات, قائلاً انه نفذها بناء على توجيهات من علي محسن ضد كوادر الحزب الاشتراكي, وطالب أحد المشايخ في الجوف تقريباً ببقية اتعابه عن اغتيال الدكتور حسن الحريبي وعمر الجاوي, وقطع طريق أو ما شابه, وتوجه الوسطاء اليه, ورجعوا, قائلين للسلطات: الرجل عنده حق يجب الزام علي محسن بدفع بقية أتعابه, "الي اوله شرط آخره نور", "والعقد شريعة المتعاقدين".

 

هكذا أصبح الاغتيال في بلادي عملاً سياسياً مشروعاً, الجميع يعرف المنفذين, اجهزة الأمن تعرف كل الخلايا, لا أحد يتكلم, الكل يخاف, وكاتب هذه السطور ستُقرأ الفاتحة عليه قريباً, لأنه تكلم وكتب, وسيستمر الدم يسيل.

 

الاغتيالات التي تنفذ اليوم سواء ضد الضباط أو الدبلوماسيين أو كوادر أنصار الله "الحوثيين" في صنعاء وتعز أمثال جدبان وشرف الدين والجنيد وغيرهم, هي استمرار لمسلسل عام 93م ضد كوادر الحزب الاشتراكي, وأكاد أجزم أن بعض الأجنحة التي نفذت جرائم التسعينات تنفذ تلك الجرائم اليوم, أكثر من 300 جريمة اغتيال واختطاف ارتكبت خلال العامين الماضيين دون أن تمسك الأجهزة الأمنية بخيط واحد أو خطأ لأحد المنفذين, هذا معناه أن قادة الأجهزة الأمنية بين متواطئ وخائف وصامت ومشارك بشكل مباشر.

 

لن يقف ذلك المسلسل الا بقرار سياسي من الرئيس هادي, الذي يعرف تماماً من ينفذ الجرائم اليوم, فتقارير الأجهزة الأمنية السرية تصله حتماً, لكنه يخشى أن يكون الضحية القادمة اذا فتح الملف بشكل جدي, وهذا باعتقادي خطأ يرتكبه الرئيس في حقه وفي حق الوطن, وقد اكتوى بناره في حفيده الذي استشهد في جريمة العرضي.

 

نطالب على الأقل بوقف المسلسل الآن, بتغييرات تطال قادة الأجهزة الأمنية وعلى رأسهم "القمش وقحطان", المرتبطين بشكل مباشر ببعض مراكز القوى المتهمة بتلك الجرائم منذ تسعينات القرن الماضي.

 

لو يتم الامساك بمنفذ واحد ويتم اعدامه أمام العامة, لتمكنا من وقف تلك الجرائم, لأن المنفذين عندها سيعرفون أن من يُكلفهم لم يعد باستطاعته حمايتهم, عندها نكون قد وضعنا أيدينا على الجرح, وبدأنا العلاج.

 

"لا تنقصنا المعلومة, ولا الأداء الأمني, ينقصنا القرار السياسي".