في المشهد السياسي اليمني المعقد، تتكرر ظاهرة لافتة للنظر وهي أن قيادات التجمع اليمني للإصلاح تخرج بين الحين والآخر لتنفي أي انتماء لحركة الإخوان المسلمين أو تنظيمها الدولي. وفي كل مرة، تبدو هذه التصريحات وكأنها تتحدث عن حزب آخر تمامًا، لا عن الكيان الذي تشكّلت ملامحه عبر عقود من الارتباط العضوي بهذا التنظيم.
محمد اليدومي وغيره من القيادات يرددون العبارة ذاتها في كل مناسبة: نحن حزب يمني وطني. لكن هذه العبارة، مهما تكررت، لا تمحو حقيقة أن الفضيل الورتلاني وصل إلى اليمن عام 1947 بتكليف مباشر من حسن البنا مؤسس الجماعة. ولا تمحو مسيرة محمد محمود الزبيري وعبد المجيد الزنداني، ولا الدعم الصريح الذي أبدته قيادات الحزب للرئيس محمد مرسي والتنظيم الدولي قبل عام 2014، ولا رحلات الأجيال الجديدة إلى مصر لأداء البيعة للمرشد.
المتأمل في بنية الإصلاح الفكرية يجد صعوبة حقيقية في فصلها عن مرجعية الإخوان. الوثائق الداخلية، والأناشيد، والمناهج المعتمدة في المدارس الدينية، والجامعة التي أسسها الزنداني كل هذه العناصر تعيد إنتاج الرؤية الإخوانية ذاتها، القائمة على شعار الإسلام دين ودولة، وتقديم التنظيم الدولي أولوية في مواجهة ما يُسمى الاستعمار والطغيان. بل إن هذه البيئة الفكرية تحولت في مراحل معينة إلى حاضنة للتيارات الجهادية والإرهابية.
وحتى بعد تأسيس الحزب عام 1990 في صورة تحالف قبلي-إخواني-تجاري، ظل الجناح الإخواني هو النواة الصلبة التي تحرك الحزب فكريًا وتنظيميًا. والمفارقة أن مذكرات عبدالله الأحمر نفسه أحد أبرز الوجوه القبلية في هذا التحالف تُقرّ صراحةً بأن الإصلاح امتداد لحركة الإخوان. إنه إذن ليس مجرد تأثر فكري عابر، بل بنية تنظيمية وثقافية متراكمة على مدى أجيال.
جاء خطاب النفي الرسمي بعد أن صنّفت كل من السعودية والإمارات جماعة الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية عام 2014، وهو التوقيت ذاته الذي اشتعلت فيه الحرب ضد الحوثيين. في تلك اللحظة، أصبح النفي ضرورة وجودية: للحصول على دعم التحالف، وتجنب العزلة الإقليمية والدولية، والبقاء شريكًا فاعلًا تحت مظلة الشرعية.
لكنه نفي انتهازي في جوهره، لا تحولٌ عقائدي حقيقي. فالمواقف التي أبدتها قيادات الحزب تجاه ثورات سوريا وليبيا ومصر كانت نسخة طبق الأصل من مواقف التنظيم الدولي. والشبكات الاجتماعية والدعوية المرتبطة بالحزب لا تزال تحمل البصمة ذاتها، بعيدًا عن الكاميرات وخطابات العلاقات العامة.
هذا الإنكار المستمر يُفرز أزمة ثقة عميقة على مستويات متعددة. فكيف يثق الناس بحزب ينكر ماضيه أمام الكاميرات، بينما يُدرِّسه لأبنائه في الفصول؟ وكيف يبني تحالفات وطنية صادقة حزبٌ يضع الولاءات الأيديولوجية العابرة للحدود فوق متطلبات المصلحة الوطنية؟