الشارع الجنوبي.. حين تجاوز الشعب دكاكين المكونات
ثمة ظاهرة لافتة تستحق التأمل العميق لا يراها بعض الجنوبيين ولا يعترف بها الاعداء وهي: في حين تعددت المكونات الجنوبية في مسار الثورة الجنوبية وتشعّبت وتنازعت، ظلّ الشارع الجنوبي محتفظاً بوضوح استثنائي حول هدفٍ واحد لا يقبل المساومة، وهو مشروع الدولة الجنوبية.
لم يكن هذا الوضوح الشعبي وليد اللحظة، بل هو حصيلة وعي عالي بعد تجربة مريرة وطويلة، تجربة بدأت بحرب 1994م وما أعقبها من مصادرة ممنهجة للأرض والوظيفة والهوية، ومرّت بعقود من الإقصاء والتهميش والإفقار المُمنهج، وانتهت إلى يقينٍ شعبي راسخ بأن لا خلاص خارج مشروع الدولة الجنوبية.
المفارقة اللافتة أن محاولات الاحتواء والتفتيت المتعاقبة لم تُنتج بديلاً شعبياً جنوبياً يقبل بغير هذا المشروع مساراً نهائياً. فكلما ضُغط على الجنوب، ترسّخ اليقين بدلاً من أن يتزعزع، وكلما جرى توظيف بعض القيادات في أجندات الخصوم، كشف الشارع هذا التوظيف ورفضه.
هذا يعني أن الثقل السياسي الحقيقي في الدفاع عن القضية الجنوبية قد انتقل بصورة فعلية من مستوى القيادات إلى مستوى الشارع. والقيادات التي لا تفهم هذه المعادلة، أو تحاول تجاهلها، تجد نفسها في مواجهة شعبية لا في مواجهة خصمٍ خارجي. فالشارع الجنوبي اليوم ليس قاعدة تنتظر التوجيه، بل هو الحارس الفعلي للمشروع حتى في حال غياب قيادة ترقى إلى مستواه.