في كل دول العالم، تُشكل الحكومات نتيجة إرادة حرة تعبر عنها صناديق الاقتراع، حيث يخوض الأحزاب والقوى السياسية سباقًا تنافسيًا شريفًا يكسبهم ثقة الشعوب، ليكون الجزاء طبيعيًا: حكومة تسعى لتقديم أفضل الخدمات، وتسهر على راحة المواطن تحقيقًا لبرامجها الانتخابية.
أما في اليمن، فالأمر مختلف تمامًا. فالحكومات المتعاقبة على مدى سنوات طويلة لم تولد من رحم الانتخابات، ولم تكن انعكاسًا لإرادة ناخب حر يختار من يمثله. بل جاءت كنتاج لاتفاقات المحاصصة السياسية بين الأحزاب المتنفذة، حيث تُوزع الحقائب وفق موازين قوى متغيرة لا علاقة لها بمعايير الكفاءة أو احتياجات الناس.
هذه الآلية التي أصبحت تقليدا راسخًا، حوّلت أداء الحكومات من مؤسسات خدمية وتنموية إلى ساحات للملاحقات السياسية والصراعات الداخلية. فبدلاً من أن تتنافس القوى السياسية في تقديم الأفضل للشعب، نراها تتفنن في أساليب الإقصاء والتهميش، خاصة تجاه أبناء الجنوب، الذين غالبًا ما تُمنح شخصيات منهم حقائب بشكل شكلي، دون أن تمتلك أي صلاحيات حقيقية، وسط مضايقات ممنهجة تعيق أي محاولة لتقديم الخدمات للمواطنين.
بل إن الأمر تجاوز الإقصاء السياسي إلى العقاب الجماعي الممنهج بحق أبناء الجنوب، حيث تحولت الخدمات الأساسية إلى أداة ضغط وسلاح لتصفية الحسابات. ففي مشهد متكرر، نرى قطع الرواتب لشهور طويلة، وانقطاع التيار الكهربائي لساعات متواصلة في درجات الحرارة المرتفعة، إلى جانب حرمان المواطنين من الماء والغاز والمشتقات النفطية، وكأن العقاب المفروض على القيادات السياسية يمتد ليطال ملايين الأبرياء. ونحن اليوم نقف على أعتاب صيف قادم شديد الحرارة، يهدد بكارثة إنسانية جديدة إذا استمر هذا النهج العقابي ذاته.
ما يحدث ليس مجرد خلل في الأداء الحكومي، بل هو ترسيخ لمبدأ الهشاشة السياسية واستخدام ملف الخدمات كورقة ابتزاز، حيث أصبح الهم الرئيسي للشركاء في السلطة هو البقاء والتنافس على النفوذ، بينما يُترك المواطن اليمني عامة، والمواطن في الجنوب خاصة، يعاني تردي الخدمات وغياب العدالة في التوزيع، بل ويعيش تحت وطأة سياسات عقابية جماعية لا تراعي إنسانية ولا قانونًا.
إن استمرار هذا النهج يعني استمرار اليمن في دائرة الفشل الحكومي، واستمرار معاناة شعب يبحث عن دولة المؤسسات لا دولة المحاصصة والعقاب. فالمطلوب اليوم ليس مجرد تغيير أسماء الوزراء، بل تغيير جذري في فلسفة تشكيل الحكومات، على أسس الكفاءة والعدالة والمساءلة، وبما يضمن تمثيلًا حقيقيًا لجميع أبناء اليمن دون إقصاء أو تهميش أو عقاب جماعي.
لقد آن الأوان ليعود صوت الشعب هو صانع القرار عبر الانتخابات، لا عبر غرف المفاوضات المغلقة التي تنتج حكومات عاجزة منذ البداية، ومتورطة في معاقبة المواطن البسيط على خلافاتها السياسية.
ختامًا: لا يمكن لليمن أن ينهض بحكومات المحاصصة، ولن تستقر الأوضاع طالما أن التنافس على الملاحقات السياسية والعقاب الجماعي يسبق التنافس على تقديم الخدمات. والحل يبدأ بإعادة الاعتبار للإرادة الشعبية، وقطع الطريق على كل من جعل من الإقصاء والحرمان أداة للبقاء.