(ليلة القدر.. وَهْم البحث عن ليلة لن تعود)

2026-03-10 21:30

 

لقد كانت ليلةُ القَدْرِ ليلةً عظيمةً جدًّا، ليلةً حدثت مراتٍ كثيرةً آخرها ليلة بدء تنزُّل القرآن المجيد.

 

وقد كانت ليلةً فاصلةً في تاريخ البشرية، ومن أجل فهم كُنْهِها؛ فعلى المسلم أن يتخذ القرآنَ المعظَّمَ مصدرًا قطعيَّ الثبوت، يقينيَّ النسبة إلى الله، وأن يتدبَّر ما ذكره الله - جل شأنه- عن تلكم الليلة.

 

وقد ذكر الله - سبحانه وتعالى- هذه الليلة في موضعين: في سورة الدخان وفي سورة القَدْر.

 

قال تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ ۞ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم ۞ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ۞ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم﴾ [الدخان: 3 - 6].

 

فالليلة مباركة لأنها كانت مبدأ الرحمة الكبرى، ومطلع النور الذي أضاء الأرض بعد طول ظلام.

 

 وقول الله عز وجلّ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾، لا يدل على تكرارٍ سنويٍّ كما يتوهم البعض لمجرد ورود الفعل المضارع؛ بل معناه: في مثل هذه الليلة بدأ الأمر الحكيم بإنزال الوحي وإرسال الرسل؛ فمحمد ﷺ لم يكن بدعًا من الرسل، وإنما خاتمهم، وجاءت بعثته امتدادًا لسلسلة الهداية الإلهية، “رحمةً من ربك” كما نصت الآية.

فكل رسولٍ أُرسِل، إنما كان بدء تشريفه بالرسالة، في ليلة القدر.

 

أما سورة القدر فقد قال الله فيها: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر ۞ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْر ۞ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر ۞ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر ۞ سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ [القدر: 1 - 5].

 

والعدد “ألف شهر” ليس عددًا حسابيًّا مقصودًا لذاته حتى يقال إنها تَعدِلُ ثلاثًا وثمانين سنة!! بل هو أسلوب تكثير تعرفه العرب، ويراد به المبالغة في العدد.

 

ومثل ذلك قوله - تعالى - لنبيه ﷺ في شأن المنافقين: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] 

فالعدد سبعون هنا ليس مقصودًا لذاته؛ بل هو للتكثير، والمعنى: مهما استغفرت لهم فلن يغفر الله لهم. 

 

فكذلك وصف “ألف شهر” يراد به تعظيم شأن الليلة لا تحديد مدةٍ حسابيةٍ بعينها.

 

وعظمة الليلة إنما كانت بسبب نزول الكتب السماوية فيها، لا لكونها تتكرر كل عام على نحوٍ غامضٍ خفيّ، فاللهُ لا يخفي عن عباده الخير. 

 

وأما تنزل الملائكة والروح من ضمنها، فالروح هو جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِين ۞ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِين﴾ [الشعراء: 193 - 194]، وهو مَلَك الوحي.

 

وتنزُّله في تلك الليلة كان لأجل هذا الحدث الجلل: بدء الوحي لكل رسول. أما بعد ختم النبوة؛ فما وجه القول بتنزله كل عام، ولا وحي بعد رسول الله ﷺ؟!

 

وأما قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾، فالسلام كان سلام الرسالة، وسلام الهداية، وسلام انبثاق النور في عالمٍ كان يتخبط في دياجير الظلمات.

وليس في الواقع ما يدل على أن العالم قد حظي بليلة سلامٍ كونيٍّ تتكرر كل رمضان عبر القرون.

 

وقبل الختام أتساءل: كيف يُقال إن الله أخفى ليلةً بعينها لتتحقق الفائدة لعباده، وهو القائل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر﴾ [البقرة: 185]، وهو الذي وصف رسوله ﷺ بأنه: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيم﴾ [التوبة: 128]؟!!

 

وأختم بقولٍ ذي بالٍ وذي شأن: إن الله - سبحانه - لا يتفاوت قربًا وبعدًا، ولا سمعًا وإجابة؛ فهو على الدوام قريبٌ سميعٌ مجيب، لا تحكمه الأزمنة ولا الأمكنة لأنه خالقها. فلا يحتاج العبد إلى “ليلةٍ مخصوصة” ليكون أقرب إلى ربه؛ فالقرب مفتوحٌ في كل حين.

 

ومع ذلك، فإن قيام الليل عبادةٌ جليلة، أثنى الله على أهلها، وجعلها مَظِنَّةَ الإخلاص وصفاء القلب، وهي من أعظم القربات في كل ليلة، لا في ليلةٍ بعينها. فالتفاوت في صفاء العبد ممكنٌ ومشهود، أما التفاوت في ذات الله أو قربه فمستحيل.

 

وإذن فليلة القدر كانت لحظة ميلاد الوحي، وبداية الرحمة الكبرى، والقرآن باقٍ بين أيدينا، فمن أراد نصيبه من قدرها فليُقبل على كتاب ربه، ففيه سرُّ عظمتها، وبه يتحقق السلام.

#ليلة_القدر