‏(لماذا تدخل الملائكة بيوتنا؟)

2026-02-18 20:26

 

في كل موسم رمضاني يتجدد الجدل حول قضايا جانبية تُقدَّم وكأنها من صميم الدين، بينما هي في حقيقتها مسائل اجتهادية أو مفهومات قابلة للنظر والمراجعة.

 

هذا العام كانت الشرارة بعض أواني الطعام التي زُيِّنت بشخصيات كاريكاتورية صغيرة، تماثيل لطيفة لا يتجاوز حضورها حدود الزينة والبهجة، ولا يخطر ببال طفل فضلًا عن عاقل أنها تُعبد من دون الله. ومع ذلك امتلأ الخط الزمني في منصة إكس بالإنكار الشديد، والتحذير، والتخويف من غضب الله، حتى خُيِّل للمتابع أن الأمة على شَفَا عودةٍ إلى الوثنية بسبب مجسم بلاستيكي موضوع على غطاء قِدر.

 

وأول ما يُطرح في هذا السياق هو القول بأن كل تمثال حرام بإطلاق، سواء أكان صنمًا يُعبد أم دميةً تُلهي طفلًا، ويُستدل بحديث لعن المصورين، ويُحمل على عمومه دون التفات إلى السياق التاريخي والعقدي الذي قيل فيه.

 

ومن البدهي أن اللعنة الواردة في ذلكم السياق إنما تتعلق بصناعة الأصنام التي كانت تُنحت وتُصوَّر لتُعبد من دون الله. نحن نتحدث عن بيئة كانت فيها الأصنام قائمة في البيوت والطرقات، وتُنصب لها الشعائر وتُساق إليها القرابين.

 

ولم يكن هناك فن تشكيلي مستقل عن البعد الديني الوثني، ولم تكن هناك تماثيل للزينة المجردة كما هو الحال في عصور لاحقة. فالتشديد كان سدَّا لباب الشرك، لا تأسيسًا لتحريم كل صورة وكل مجسم إلى يوم القيامة دون نظر في المقاصد الشرعية والسياقات التاريخية.

 

ونحن هنا لا نطعن في السنة، ولا نهوّن من شأن الأحاديث الصحيحة، ولكننا نناقش الفهم. الفهم الذي يُصادم نصوصًا قرآنية قطعية لا يمكن أن يكون هو الفهم المراد؛ لأن النبي ﷺ لا يمكن أن ينطق بما يناقض ما أنزل عليه ربه، والقرآن هو المهيمن والميزان.

 

فمن النصوص المحكمة التي لا تحتمل تأويلًا بعيدًا قول الله تعالى:

﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد﴾ [ق: 18]، وكلمة "عتيد" تفيد الحضور الدائم والملازمة المستمرة.

 

فمع كل إنسان ملَك يكتب أقواله وأعماله، لا يغيب عنه لحظة؛ لا في بيته ولا في خارجه، لا في حال طاعة ولا في حال معصية. وكذلك قال تعالى:

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه﴾ [الرعد: 11]، أي: بأمر الله، وهم ملائكة موكلون بالحفظ، يحيطون بالإنسان أينما كان.

 

فكيف يُتصور بعد هذا البيان القرآني أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة؟! هل يفارق الكَتَبة الإنسان إذا اقتنى لعبةً لطفله أو علق على الجدار صورةً لأبيه؟! هل ينسحب الحفظة من مهمتهم لأن على الرف مجسمًا صغيرًا أو على الجدار لوحة!؟ إن هذا الفهم يصطدم مباشرة بالنصوص المحكمة، ويجعلنا أمام تناقض لا يمكن قبوله.

 

قد يقول قائل: "المقصود ملائكة غير الحفظة والكتبة، ملائكة بركة مثلًا".

فنقول: هذا ادِّعاء يحتاج إلى دليل؛ من هم هؤلاء الملائكة؟ ما وظيفتهم؟ ما النص القرآني الذي يثبت أنهم يدخلون البيوت للبركة ثم يمتنعون بسبب صورة؟ إننا إذا فتحنا باب التقسيمات دون نص صريح؛ أصبحنا نُنشئ منظومة غيبية كاملة اعتمادًا على فهم ظاهري لرواية، دون أن يكون لدينا أصل قرآني يعضد هذا التفصيل.

 

ثم ما الذي يخسره أهل البيت إن لم تدخل هذه الفئة المفترضة من الملائكة؟! هل البركة مفهوم غامض يُعلَّق على دخول كائنات غير مرئية إلى غرفة الجلوس؟! أم أن البركة في القرآن مرتبطة بالإيمان والتقوى والعمل الصالح؟! قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْض﴾ [الأعراف: 96].

فالبركة هنا مشروطة بالإيمان والتقوى، لا بخلو الجدران من الرسوم.

 

إن تحويل الأحاديث التي هي - مهما قيل عنها - ظنية الثبوت، وتَخرج إلى عدم الصحة إن صادمت القرآن والعقل السليم؛ أقول إن تحويلها إلى سيفٍ مُصلَتٍ مُسَلَّطٍ على الناس، يُراقَب به كل بيت وكل تفصيلة؛ يفضي إلى تضييقٍ واسع لم يأت به القرآن، والقرآن حين حرم الشرك فقد بيّن علته ومظاهره بوضوح، ولم يحوّل الحياة اليومية إلى حقل ألغام من المحظورات المحتملة.