ما يجري اليوم في الجنوب ليس مجرد إعادة تموضع قوى، ولا مجرد تبدل في أدوار إقليمية. نحن أمام لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية بالكامل.
خروج الإمارات، تفكيك المجلس الانتقالي وتحول ماتبقى من قياداته بالداخل نحو التصعيد الشعبي، مقابل حضور سعودي أكثر مباشرة عبر قيادات عسكرية ومساع لتشكيل حامل سياسي–عسكري جنوبي جديد.
السؤال الجوهري؟ هل نحن بصدد إعادة إنتاج سيناريو الجبهة القومية وجبهة التحرير في ستينيات القرن الماضي؟
في ستينيات القرن الماضي، لم يكن الصراع مجرد خلاف تنظيمي، بل كان صراع شرعية وتمثيل واحتكار للبندقية والاعتراف الخارجي. انتهى الأمر بإقصاء طرف كامل وترسيخ نموذج أحادي، زرع بذور انقسامات ظلت تتفاعل لعقود.
اليوم، المشهد أكثر تعقيداً، لكن عناصر الخطر حاضرة: تعددية قوى جنوبية بلا إطار جامع ملزم، تنافس رعاية إقليمية، شرعية موزعة بين “التمكين العسكري” و“التمثيل الشعبي” ، خطاب تعبوي يتجاوز فكرة الشراكة.
الفارق أن الجنوب اليوم ليس في زمن ثورة مسلحة ضد استعمار، بل في زمن معادلات إقليمية دقيقة وبيئة دولية لا تعترف بالمشاريع الأحادية غير التوافقية.
الخطر الحقيقي ليس في وجود أكثر من حامل سياسي، بل في غياب قواعد إدارة التنافس، فإذا تحوّل التنافس إلى صراع نفوذ مسلح، فإن الجنوب سيدخل مربع الاستنزاف الداخلي، وتتحول المدن إلى خرائط نفوذ، ويصبح الشارع – المنهك اقتصادياً وخدمياً – ضحية صراع النخب.
أخطر السيناريوهات يتمثل في: انقسام عسكري جنوبي–جنوبي، تفكك الحاضنة الشعبية، تآكل القضية وتحولها إلى ورقة ضغط إقليمية، إعادة إحياء اصطفافات مناطقية كامنة، حينها لن يكون هناك منتصر حقيقي، بل جنوب أضعف تفاوضياً وأكثر هشاشة داخلياً.
لا يمكن إنكار أن الجغرافيا السياسية تفرض على الجنوب علاقات وثيقة مع السعودية والإمارات. لكن الفرق كبير بين الشراكة والارتهان.
الشراكة تعني تقاطع مصالح مع الحفاظ على قرار وطني مستقل، أما الارتهان فيعني أن يتحول الجنوب إلى ساحة تنافس تُدار أدواتها محلياً ويُحسم قرارها خارجياً، والقضية الجنوبية إذا فقدت استقلال قرارها، فقدت جوهرها.
ماذا ينبغي فعله؟
أولاً: تحييد السلاح عن التنافس السياسي.
أي خلاف يجب أن يبقى سياسياً، وأي سلاح يجب أن يكون ضمن مؤسسة لا ضمن اصطفاف.
ثانياً: الاتفاق على ثوابت حد أدنى بين كل القوى: لا اقتتال جنوبي–جنوبي (دم الجنوبي على الجنوبي حرام)، لا تخوين، احترام التعدد، الاحتكام إلى آلية توافقية واضحة.
ثالثاً: إطلاق حوار جنوبي–جنوبي حقيقي، لا شكلي، يضم القوى السياسية والعسكرية والمجتمعية من جميع المحافظات دون استثناء.
رابعاً: إعادة تعريف الشرعية على أساس الأداء والخدمة والأمن، لا على أساس الدعم الخارجي وحده.
القضية الجنوبية أكبر من أي كيان وأعمق من أي تحالف عابر. من يربط مصير الجنوب بتنظيم أو دولة أو ظرف مرحلي، يختزل مشروع شعب في معادلة مؤقتة.
لسنا أمام حتمية تكرار صراع الجبهات، لكننا أمام قابلية حقيقية لإعادة إنتاجه إذا غاب العقل وغلب منطق المغالبة.
الجنوب اليوم أمام خيارين واضحين:
إما أن يعيد تدوير التاريخ بصراعاته وإقصاءاته،
أو أن يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الشراكة والتوازن وإدارة التعدد، والمعادلة ليست في من يمتلك السلاح أو الدعم، بل في من يمتلك الوعي الكافي لتجنيب الجنوب الانزلاق، وهنا يكمن الفارق بين من يتعلم من التاريخ… ومن يُعاد عليه التاريخ.
عادل المدوري