هل يعني إسقاط المجلس الانتقالي الجنوبي انتهاء قضية شعب الجنوب؟

2026-01-06 17:26

 

كثيراً ما يروّج خصوم القضية الجنوبية لفكرة مفادها أن المجلس الانتقالي الجنوبي هو “آخر القلاع”، وأن زواله أو خروج رئيسه عيدروس الزبيدي من المشهد سيعني تلقائيًا نهاية قضية شعب الجنوب. هذه الفكرة، رغم تكرارها إعلامياً هذه الايام، لكنها تعكس فهماً سطحيًا لطبيعة القضايا الوطنية ومسارها التاريخي.

 

في الحقيقة، الخلط بين القضية والأداة السياسية هو جوهر هذا الوهم. فالقضية الجنوبية لم تولد مع المجلس الانتقالي، ولم تبدأ مع الزبيدي أو بدخول دولة الامارات، ولن تنتهي بخروجهما. إنها قضية سياسية وتاريخية ممتدة، تشكلت عبر عقود من التجربة والدولة والحرب والإقصاء، وتراكمت بفعل سياسات ما بعد 1994 التي أنتجت مظلومية شاملة لمجتمع كامل، لا لفصيل أو نخبة.

 

المجلس الانتقالي الجنوبي جاء في لحظة فراغ سياسي وتمثيلي بعد عاصفة الحزم، فنجح في أن يكون الحامل الأكثر تنظيماً للقضية في هذه المرحلة. امتلك أدوات سياسية وعسكرية وإعلامية، واستطاع أن يفرض حضور القضية الجنوبية على الطاولة الإقليمية والدولية. لكنه، في نهاية المطاف، وسيلة من وسائل الصراع السياسي، وليس هو الصراع ذاته.

 

أما الحديث عن خروج عيدروس الزبيدي من المشهد، فهو يعبّر عن قراءة شخصانية للتاريخ السياسي. فالقضايا الكبرى لا تُختزل في الأفراد، مهما بلغت رمزية هؤلاء الأفراد أو ثقلهم. غياب القيادات قد يخلق فراغاً مرحلياً، وربما صراعات داخلية أو إعادة تموضع، لكنه لا يُلغي الدوافع العميقة التي تحرّك الشارع ولا يُسقط المطالب التي تشكّل وجدان الناس.

 

التجارب التاريخية، في المنطقة وخارجها، تؤكد أن القضايا العادلة لا تموت بالقوة. قد تُقمع، وقد تتعرض لانتكاسات، وقد تفقد حاملها السياسي لفترة، لكنها تعود بأشكال جديدة حين تبقى أسبابها قائمة. وحدها القضايا التي تُحل جذريًا أو يتخلى عنها أصحابها تموت، أما ما عدا ذلك فهو تأجيل لا أكثر.

 

الخطر الحقيقي على قضية شعب الجنوب لا يكمن في إسقاط المجلس الانتقالي أو تحجيم قيادته، بل في تفكيك الوعي الجنوبي نفسه: ضرب وحدة السردية، تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات جنوبية–جنوبية، وإغراق الشارع في الإحباط والتشكيك والاتهامات المتبادلة. هنا فقط يمكن إضعاف القضية، لا عبر إسقاط كيان أو تغييب شخصية.

 

المجلس الانتقالي جاء في مرحلة حساسة ومفصلية في تاريخ قضيتنا، والزبيدي كان قائداً بارزاً في هذه المرحلة، أما قضية شعب الجنوب فهي أعمق وأبقى. ستظل حاضرة ما دام شعب الجنوب يؤمن بها ويدافع عنها، وستجد دائمًا من يحملها، مهما تغيّرت الأسماء والكيانات والظروف.

 

عادل المدوري