في الوقت الذي يُسدل فيه الستار في الرياض على مشاورات تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة، ويجري الحديث عن نقلها إلى العاصمة عدن أو أي محافظة جنوبية أخرى، لا بد من التوقف مليًّا أمام مشهد الجنوب اليوم، حيث تتصاعد حالة الغليان الشعبي والزخم الجماهيري والغضب المكتوم في كل ربوعه، نتيجة سنوات طويلة من التهميش والمعاناة وغياب الحلول الحقيقية.
إن أبناء الجنوب العربي لم يعودوا ينتظرون حكومات متعاقبة تتغير أسماؤها وتبقى سياساتها ونتائجها كما هي. فقد جُرّبت الحكومات تلو الحكومات، والوعود تلو الوعود، دون أن يلمس المواطن الجنوبي تحسنًا حقيقيًا في حياته اليومية، بل على العكس، ازدادت الأوضاع سوءًا، وتدهورت الخدمات، وانقطعت الرواتب، وانهارت العملة، وأصبحت المعاناة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
لقد أصبح واضحًا للجميع أن المشكلة في الجنوب ليست مشكلة وزراء أو تشكيلات حكومية، بل هي قضية شعب ووطن وهوية، قضية سياسية عادلة تبحث عن حل جذري يضع حدًا لمعاناة عقود طويلة. ولهذا، فإن أبناء الجنوب اليوم لا ينتظرون حكومة جديدة بقدر ما ينتظرون حلًا عادلًا لقضيتهم، قائمًا على ضمانات دولية حقيقية، تحفظ حقوقهم وتصون تضحياتهم وتضع مستقبلهم في أيدٍ آمنة.
إن نقل حكومة جديدة إلى عدن دون معالجة جذور المشكلة، ودون تقديم حلول سياسية واضحة للقضية الجنوبية، قد يُفهم في الشارع الجنوبي على أنه تجاهل لمطالب شعب بأكمله، أو محاولة لتجاوز قضيته الأساسية. وهذا من شأنه أن يزيد من حالة الاحتقان والغضب الشعبي، بدلًا من أن يخففها أو يفتح أبواب الأمل.
الجنوب اليوم ليس كما كان بالأمس، والوعي الشعبي بلغ مرحلة لا يمكن القفز فوقها أو تجاوزها بحلول شكلية أو ترتيبات مؤقتة. فالشعوب التي قدّمت التضحيات، وسالت دماء أبنائها في سبيل كرامتها وحقوقها، لا يمكن أن تقبل بالعودة إلى نقطة الصفر، ولا أن تُدار شؤونها بحكومات لا تملك قرارها ولا تستطيع توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها.
إن الرسالة التي يجب أن تُفهم جيدًا، في الرياض وغيرها، هي أن الجنوب ليس بحاجة إلى حكومات متكررة، بل إلى حل سياسي عادل لقضيته، بضمانات دولية واضحة، يضع حدًا لمعاناة شعبه، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والكرامة والعدالة.
فلا تستفزوا شعب الجنوب، وهو في حالة غليان، ولا تختبروا صبره أكثر مما احتمل. فالحكمة اليوم تقتضي الإصغاء لصوت الشارع، والاعتراف بحقائق الواقع، والعمل على معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بتغيير الوجوه وتبديل المقاعد.
فالجنوب ينتظر الحل، لا الحكومة.
عدن - 9 فبراير 2026