الطوائف اللبنانية والقبائل اليمنية

2019-01-15 23:01

 

قرابة ثلاثة عقود منذ أن دخلت اتفاقية الطائف حيز الوجود السياسي لتضع حداً للحرب الأهلية اللبنانية وتدخل لبنان في مرحلة سياسية مختلفة تماماً عن ما سبق 1989م ، والمحصلة بعد كل هذه السنوات من التوافق اللبناني الذي أُنتج في مدينة الطائف السعودية لا يمكن أن يتم تصنيف لبنان بأنه دولة ناجحة ، فالاستقرار النسبي والمتكئ على أكثر من عصا تسنده حتى لا يسقط من المستحيل أن يصنف بأن التجربة السياسية اللبنانية مضمونة فبواعث القلق على تفجر الأوضاع قائمة بل أنها في الثلاثين عاماً الماضية قد تفجرت وشهد لبنان أحداثاً عنيفة فاغتيال دولة الرئيس رفيق الحريري (فبراير 2005م) واحداً من مشاهد العنف السياسي الناتج عن تفاعلات نشأت في واقعها من اتفاقية الطائف، كذلك حرب تموز 2006م هي أيضاً ناتجة عن تلكم التفاعلات التي أوصلت لبنان ليتعرض لضربات عسكرية عنيفة من إسرائيل.

 

التجربة اللبنانية برمتها تجربة تتطلب رؤية مجهرية دقيقة ففي هذا البلد الصغير جغرافياً انتقل لبنان بمراحل ما بعد الاستقلال (ديسمبر 1946م) ليخوض تجارب قاسية وأن بقيت الدولة هشة وضعيفة إلا أنها لا تمتلك قرارها السياسي لأسباب موضوعية تبدأ بالمحاصصة السياسية التي تنطلق أساساً من الأديان والطوائف التي تشمل التركيبة المجتمعية اللبنانية، فكرة المحاصصة هي النقيض للنظام الديمقراطي بالكامل، فلا يمكن أن يكون هناك احتكار لمنصب سياسي لا يشغره غير فئة سياسية أو دينية أو مذهبية هذا ضرب في صميم النظام الجمهوري ونقيض لدولة القانون والدستور الذي وللأسف في عالمنا العربي يصاغ وفقاً لإشباع رغبات القوى التي تبحث عن حصتها في الأوطان. المحاصصة في لبنان وأن تغلفت بالأحزاب العائلية أو حتى تلك الأحزاب القائمة على الدين والمذهب جعلت من لبنان دولة مشوهة تناقضات المشهد اللبناني تثير الشفقة على لبنان أكثر مما تثير الدهشة أو الحيرة ، الضاحية الجنوبية أو بالمفهوم الأدق سياسياً (الدولة الموازية) هذا هو نتاج المحاصصة في لبنان دولة موازية تستقوي بالخارج وتنفذ تعليمات الخارج وتذهب في مغامرات بدون مرجعيات للداخل ، لبنان بين هذه التناقضات يقف بين محورين اعتدال ومقاومة، دولة ولا دولة ، واقع ما يحدث يعبر عن مضمون تغييب القانون السياسي الذي يجب أن يستحضر عبر النظام الجمهوري أن كان هناك فعلاً نظام جمهوري في لبنان.

 

ذلك لبنان وتلك اليمن، ففي 26 سبتمبر 1962م خرج مجموعة من العسكر في صنعاء ليقوموا بتقليد ثورة يوليو 1952م المصرية ولكن بالطريقة اليمنية التقليدية ، وعلى مدار ثماني سنوات ظلت معركة الثورة الصنعانية قائمة صراع الملكيين والجمهوريين انتهى بعقد مراسم زواج مُعلن فلا شيء في هذا اليمن من المنكرات ، تزوجت الملكية بالجمهورية وبقي الحاكم بالجنبية (الخنجر) باسم القبيلة وأسم الجمهورية ، أعظم ما في هذا اليمن هي الحفلة التنكرية الطويلة التي تتكرر كل يوم، يأتي شيخ القبيلة الحاشدي إلى البرلمان الديمقراطي ليصب لعناته على الإمام الذي سقط عرشه بينما الشيخ هو الذي يجلس على العرش ويأتي بعسكري مهمش إلى الشعب الذي مازال يلعب دوره باقتدار في الحفلة التنكرية ويتقدم العسكري الصغير حاملاً بين كفيه كفنه ويقسم اليمين الجمهوري بان يحافظ على الجمهورية أو الحفلة التنكرية كما هي وأن يخلص للإمام وللشيخ معاً. الرئيس علي عبدالله صالح أحد أبرع من استعرض على خشبة المسرح السياسية اليمنية على الإطلاق ، ثلاث وثلاثين عاماً من الاستعراض في حفلة تنكرية أبدع فيها حتى عندما استضافته الصحفية اللبنانية نيكول تنوري في 2004م ولم تكن هي تعلم أنها تمهد لاكتساح الرئيس صالح لانتخابات الرئاسة في 2006م، كان داهية حتى عندما كانت صنعاء تنتفض وهو يقول لزميلتها منتهى الرمحي في 2011م أن اليمن من بعده سيتمزق، كان علي صالح أكثر الذين عرفوا الحضور في الحفلة التنكرية، حتى عندما سقط بالطلقة الأخيرة لم يترك دلالة حضوره عندما حملوه في (بطانية) فهو أبن من أبناء زواج المتعة بين الجمهوريين والملكيين، وكان المشهد الختامي لدوره لابد وأن يكون بهذه الدراما الشديدة في القسوة والعنف. مهزلة بأسم الديمقراطية حدثت في بلد يعيش الأمية السياسية ويتلذذ بها ، تصر القبائل في اليمن أن تلعب دوراً لا يليق بها ولا حتى بمفاهيمها، ما حدث في عدن في حرب صيف 1994م يؤكد هذا الازدواج في استحضار موروثات القبيلة التي تعيش على الفيد والغنائم، لا ينتهي العرف القبلي هنا فهناك أبعاد أخرى تحلل السرقة والنهب فهذه حرب مقدسة جاء فيها المسلمين من هضبة صنعاء إلى سواحل عدن الماركسية لإزالة الملاحدة وقتلهم، هذه التشريعات المتداخلة تتوافر في قبائل اليمن متى ما شعرت بالقوة التي تضاءلت واضمحلت عندما خرج عليهم الحوثيين من جحورهم في كهوف صعدة ، عندها لم تكن للقبائل غير أن تنسجم مع ظلم الحوثي وجبروته، وكما هم شيوخ القبائل يتحدثون عن الديمقراطية كذلك يتحدث الحوثي عنها فالكل مازال على خشبة المسرح وبالأزياء التنكرية المعتادة.

 

جاء لليمنيين البريطاني المولود في عدن مارتن غريفيث يحدثهم عن إعادة خلط لأوراقهم وأن نعيد اللعبة أو الحفلة التنكرية مرة أخرى أي أن يعود اليمن إلى خمسين عاماً ويعود الممثلين عن القبائل الصنعانية لخشبة المسرح ويلبسون أقنعة مختلفة وتعود مشاهد الصراعات مجدداً بأدوات جديدة هذه المرة لم يعد في اليمن ضباطاً أحرار ولا يملك اليمنيين ممثلاً بارعاً كما كان علي عبدالله صالح ولم تعد سوى العمائم الإخوانية والحوثية وكلاها ستذهب إلى البرلمان تتحدث عن الديمقراطية والدولة المدنية وتخرج إلى المنابر تصيح بجواز قتل الآخر ، هذا ما سيذهب له اليمن من مستقبل تتجدد فيه الصراعات والاقتتال وما كان في معركة الحصبة سيتكرر وسيتعين على الشعب أن يحمل بنادقه ويقاتل عقوداً طويلة فلا نهاية للصراعات الأثنية في بلد يقوم أصلاً على الاثنيات وأن أنكرها البريطاني مارتن. وقع اللبنانيين كما وقع اليمنيين في فخ الدولة المؤدلجة حتى تعين على لبنان أن يبتدع سياسة النأي عن النفس وهو يدرك أن حزب الله هو ذراع من أذرعة الولي الفقيه في إيران، لم تعد هذه المسوغات تحتمل قدرة على أن تمرر في الفضاء السياسي حتى على الشعب اللبناني الذي ضاق ذرعاً بكل هذا الهراء ، وهنا مدعاة جديرة بالاستحضار حول تغييب الدولة الوطنية وتجهيلها بل أن منهجية الطوائف والقبائل عملت على تجريف القيم الوطنية تحت شعارات لا تنتني للأوطان، الاعتلال في اختلال المفاهيم نحو الوطنية كقيمة تحدد الانتماء وترسم السياسات، استعادة الأوطان هي معركة الشعوب التي دفعت الثمن باهظاً في ماضيها وحاضرها عندما ارتهنت لدول الطوائف والقبائل وآن لهذه الشعوب أن تنتزع مستقبلها.