هل صحيح أن السياسة خساسة؟

2018-03-19 11:04

 

عندما كنت في سن مبكرة من عمري ما بين التاسعة والعاشرة، وتحديداً في مدينة المعلا، مطلع الستينات، كان هناك رجل معتوه (مختل العقل) كان يهرع في الشوارع، وفي سوق المعلا، وفي الشارع الذي تقع فيه سينما المعلا (شارع السواعي)، فكان هذا المعتوه يجري في هذه الشوارع طوال اليوم، ويردد عبارة «السياسة خساسة»، ولا يقول شيئاً غيرها.

 

كنت أنا وأترابي من الصبية نضحك من عبارته هذه، وكنت أنا لا أفقه ما معنى السياسة، وما معنى الخساسة، رغم ضحكي من هذه العبارة.

 

ومرت الأيام، وبدأت أكبر سنة بعد سنة، وجاءت ثورة 14 أكتوبر 1963م، وبدأنا نسمع بالسياسة من خلال أحاديث الناس وأحاديث الصحافة عن النضال ضد المستعمر البريطاني، ومن خلال المنشورات التي كانت تلقى في الشوارع والأسواق والمساجد، فكنت آخذ المنشور وأقرأ ما فيه مرة وثانية، وبدأت أفهم، وبدأت في قراءة الصحف اليومية والأسبوعية، ومنها هذه الصحيفة «الأيام»، التي أصدرها الأستاذ المناضل محمد علي باشراحيل عام 1958م، ولي قصة طريفة مع هذه الصحيفة، فرغم عدم تمييزي، أو درايتي بتوجه كل صحيفة مثل «الأيام»، و«اليقظة»، و«فتاة الجزيرة»، و«المصير» وغيرها.. إلا أنني كنت معجباً باسم صحيفة «الأيام» ومعجب بشكل «ترويستها» وذات يوم أرسلني عمي وأعطاني (6 آنات) أو (عانات) لأشتري ثلاث صحف مختلفة، فذهبت إلى مكتبة الشيباني وأخذت ثلاث نسخ من صحيفة «الأيام» فأنكر علي صاحب المكتبة ونصحني قائلاً يا بني خذ «الأيام» وصحيفتين غيرها، ولجهلي، وحبي لهذه الصحيفة «الأيام» أصريت على شراء 3 نسخ منها دون الأخذ بنصيحة صاحب المكتبة، وعدت إلى المنزل وسلمتها لعمي، وما أن رآها حتى انفجر بالضحك وأنا مندهش، لماذا يضحك، فقال لي هذه النسخ الثلاث هي نفسها، وأشار إلى العناوين، وكلها متطابقة وأرجعني إلى المكتبة.

 

فبدأت أفهم أشياء يسيرة في السياسة، وعلمت أن هناك فصيلين يناضلان من أجل تحقيق الاستقلال للجنوب من الاحتلال البريطاني، وهما: الجبهة القومية (N.L.F) وجبهة التحرير (FLosy)، وأن هناك فصائل أخرى فضلت النضال السلمي دون الكفاح المسلح، مثل الرابطة وغيرها من الفصائل السياسية.

 

وبدأت أسمع أن أخوين في مدينة المعلا، أحدهما ينتمي للجبهة القومية، والآخر إلى جبهة التحرير، وكانا على خلاف شديد يصل إلى حد تهديد أحدهما للآخر بالتصفية الجسدية، وكانت أمهما تندب حظها جراء هذا الخلاف بين ولديها، ومما سمعته حكاية مفادها أن أخوين آخرين في منطقة القاهرة بالشيخ عثمان، قتل أحدهما الآخر، بسبب انتمائهما، كل إلى فصيل سياسي، ولكن هذه الحكاية لم تتأكد لي حقيقتها.

 

هنا بدأت أعود بذاكرتي إلى عبارة الرجل المعتوه «السياسة خساسة» ثم جاءت أحداث أخرى، منها مقتل أبناء السيد عبدالقوي مكاوي، الذين لقوا حتفهم وهم في ريعان الشباب بتفجير آثم أقدمت على فعله إحدى الفصائل السياسية نكاية بموقف والدهم السياسي، فتعمقت لدي عبارة المعتوه بأن «السياسة خساسة» وأي خساسة بل ونجاسة أن يقتل الأخ أخاه أو غيره لمجرد الاختلاف في وجهات النظر، ومن ثم جاءت حادثة اغتيال المناضل علي حسين القاضي الذي اغتيل لمجرد موقفه السياسي، وأتذكر أنهم أحضروا جثته إلى منزل قريب من منزلنا في شارع الصومال بالمعلا خلف مسجد هائل، وهرعت مع عدد من الشباب وشاهدت جثته على السرير قبل غسله وتكفينه.

 

ثم جاءت الحرب الأهلية بين القومية والتحرير في نوفمبر 1967م التي اشتعلت في المنصورة والشيخ عثمان ودارسعد وراح ضحيتها الكثير من الشباب، فتأكد لي أن «السياسة فعلاً خساسة»، وتيقنت من صدق وصحة المقولة «خذوا الحكمة من أفواه المجانين».

 

وبعد الاستقلال عام 1967م لم يمر سوى عام واحد وسبعة أشهر تقريباً حتى أطيح بأول رئيس لليمن الجنوبية الشعبية من قبل رفاق دربه النضالي، وتوالت محطات تصفية الرفاق لبعضهم، دون اعتبار لرفقة النضال التي جمعتهم، وتحضرني عبارة في محاضرة للمناضل علي أحمد ناصر (عنتر) حيث قال: «كنا رفاقاً متحابين يفتدي بعضنا بعضاً، وكنا في جبهة الكفاح المسلح نتقاسم كسرة الخبز اليابس ونأكل «الدوم» ونشرب الشاي، ونصبر على الجوع». انتهى كلامه.

 

هكذا كان المناضلون في جبهات النضال، لكن السياسة الخسيسة فرقتهم وتوالت المؤامرات على بعضهم البعض، وتوالت أحداث التصفية، ومنها أحداث 20 مارس و14 مايو 1968م، ثم أحداث 22 يونيو 1969م التي أطاحت بقحطان الشعبي، أول رئيس لليمن الجنوبية الشعبية، وجاءت أحداث يونيو 1978م التي أطاحت بالمناضل سالم ربيع علي ورفاقه، وتلتها أحداث عام 1980م التي أطاحت بالمناضل عبدالفتاح إسماعيل، وصولاً إلى الكارثة الكبرى في 13 يناير 1986م، فكانت هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وأدخلت البلاد في متاهات نعاني منها إلى اليوم.

 

فلتكن تلك الأحداث والأخطاء ضد بعضنا، دروساً وعبرا يجب الاستفادة منها، وعشمنا اليوم أن يكون اتفاق التصالح والتسامح قد أنهى كل الأحقاد والمآسي، وأملنا أن يتوحد الجميع، بنية صادقة، وأن ينظروا إلى المستقبل، وأن يسود الحب والوئام، وعدم التخوين أو الإقصاء للآخر، وأن يكون القاسم المشترك هو حب الوطن والحرص على مصالح المواطن.

 

أسال الله أن يوفق الجميع لما فيه الخير والعزة والكرامة لموطننا الجنوبي الغالي.

*- بقلم : علي راوح – الأيام