في عالم السياسة، ليست كل الخلافات وليدة أخطاء، وأحيانًا لا تكون المشكلة في القرار بحد ذاته، بل في الموقف الذي يحمله صاحبه.
وهنا يكمن جوهر الجدل الدائر حول الرئيس عيدروس الزبيدي.
أن مشكلته الحقيقية لم تكن في مشروعه السياسي الواضح، ولا في شعبيته، ولا حتى في أدائه، بل في كونه رفض أن يكون جزءًا من معادلة الوصاية. رفض أن يكون قرار الجنوب مرهونًا بإرادة الخارج، وتمسّك بخطاب الاستقلال في الموقف قبل الشعارات.
في بيئة سياسية اعتادت على الاصطفاف تحت مظلات إقليمية، يصبح الصوت المستقل عبئًا على التوازنات. وعندما يقول مسؤول "لا" في لحظة يُنتظر منه فيها أن يقول "نعم"، فإن هذه الـ"لا" لا تُقرأ كموقف عابر، بل كرسالة سياسية ثقيلة الكلفة.
السؤال الذي يفرض نفسه:
هل المشكلة كانت في شخص الرجل؟ أم في رمزية موقفه؟
القرار المستقل في منطقة تعجّ بالتشابكات الإقليمية ليس أمرًا بسيطًا. إنه يضع صاحبه أمام ضغوط متعددة، سياسية واقتصادية وإعلامية. لكن في المقابل، يمنحه صورة القائد الذي لا يساوم على ما يعتبره حقًا سياسيًا أو وطنيًا.
قد يختلف الناس حول السياسات، وقد تتباين الآراء حول النتائج، لكن الثابت أن المواقف الحاسمة تصنع خطوطًا فاصلة في التاريخ السياسي لأي شعب. فإما أن يُنظر إليها كشجاعة تحمي القرار الوطني، أو كمغامرة تتحدى توازنات معقدة.
في النهاية، ليست القضية في من قال "لا"، بل في ما تعنيه تلك الكلمة:
هل هي تعبير عن إرادة مستقلة؟
أم صدام مع واقع إقليمي لا يسمح بهوامش واسعة؟
الزمن وحده كفيل بالإجابة. لكن المؤكد أن السياسة لا تعاقب الضعفاء بقدر ما تختبر من يختارون أن يقفوا وحدهم.
ولأنه قال "لا" حين كان الصمت أسهل، التفّ حوله من رأوا في موقفه كرامتهم وصوتهم وقرارهم الذي لا يقبل الوصاية.
الصحفي صالح حقروص
2026/2/15م