رواندا سنغافورة أفريقيا

2022-07-06 13:34

 

من يقرأ هذا المقال سيجد بعض الأحداث المتشابهة بين ما يجري في اليمن اليوم ورواندا في التسعينات خاصة في دورة العنف والحرب الأهلية الطاحنة التي ضربت البلدين ولا زالت تدور في اليمن فالأقلية الزيدية كانت تحكم اليمن لأكثر من الف عام بحجة اسطورة الحق الإلهي وعندما سقطت في الستينيات هاهي تعود تحت العمائم الإيرانية وان  بشعارات أكثر تشددا وتبعية لقم  تطل برأسها وتريد استعباد اليمنيين من جديد!! 

جغرافيا، تقع رواندا "أرض الألف تل"، البلد الصغير نسبيا في شرق وسط إفريقيا، على مساحة لا تتعدى 25 ألف كيلو متر مربع،  نحو عشرة ملايين نسمة. التي ارتبطت في الذاكرة العالمية بأبشع إبادة جماعية في التاريخ المعاصر، راح ضحيتها أكثر من مليون مواطن رواندي، بين سنتي 1990 و1994، وذلك نتيجة صراع طويل على السلطة بين قبيلتي الهوتو "80 في المائة" والتوتسي "20 في المائة"، تعود جذوره الأولى إلى حقبة الاحتلال الألماني وبعده البلجيكي للبلد، منذ أواخر القرن الثامن عشر!!

تاريخيا، أنيطت الزراعة بقبيلة الهوتو، فيما امتهنت قبيلة التوتسي الرعي. وقد وظف الاستعمار هذه الورقة بذكاء لمصلحته، حيث قرّب التوتسي واصفا إياهم بالعرق الأنقى، فيما استعبد الهوتو الذين عملوا كمزارعين لديه. ما حرم الهوتو من مجموعة من المميزات التي استفردت بها التوتسي. كانت لحظة الاستقلال عام 1962، فرصة مواتية للأكثرية قصد الانتقام من التوتسيين، فلم يعودوا في نظرهم مواطنين روانديين أصائل، إنما مجرد خونة وعملاء الاستعمار استمر التحريض والصراع بين مكونات المجتمع الرواندي لعقود من الزمن، قبل أن يبلغ ذروته بداية التسعينيات حين غزت الجبهة الوطنية الرواندية "التوتسيون" رواندا سنة 1991، في هجوم اكتسحت فيه العاصمة كيجالي،

دخلت البلاد في فوضى عارمة وضع الرجل البلاد على السكة، ونقلها من عصر الدماء إلى مسار المصالحة والوحدة والتنمية، بالعمل على توحيد الشعب المنقسم، وانتزاع البلاد من براثن الفقر. معلنا في كلمة قولته الشهيرة :

"لم نأت لأجل الانتقام، فلدينا وطن لنبنيه، وبينما نمسح دموعنا بيد، سنبني باليد الأخرى "

فهم بول كاجامي ومن خلاله الروانديون أن مسار التفرقة والعنصرية والصراع لن يؤدي بهم سوى إلى مزيد من الدماء والحروب والتراجعات، فأقر دستورا يلغي الفوارق العرقية، وأسس هيئة للوحدة والمصالحة بعدما أصبحت رواندا سنغافورة القارة السمراء !!

أولى باني رواندا أهمية قصوى للتعليم؛ بعدما أيقين أنه الحل لكل المعضلات التي تنخر البلد. واتخذ بشأنه قرارات شجاعة أدخلته في صراع مع قوى دولية "فرنسا"، بعدما عمد إلى تغيير لغة التدريس في المقررات التعليمية من الفرنسية إلى الإنجليزية. وفرض مدة دنيا إلزامية حددت في 12 سنة من التعليم المجاني..

شهد البلد ثورة في زراعة وتصدير الشاي والبن اللذين يشكلان أساس الاقتصاد الرواندي، مع ظهور التعاونيات الزراعية التي كانت بمنزلة حل لمشكلة إيجاد فرص عمل للناجين من الإبادة. عززتها الحكومة بتوفير قروض ميسرة للمزارعين، لتظهر النتائج بعد سنوات فقط، حيث ارتفع إنتاج القهوة من 30 ألف طن إلى 15 مليون طن بعد تنفيذ هذه الخطة. وحقق البلد قفزة نوعية في القطاع السياحي؛ خاصة السياحة الطبيعية، ثاني مصدر للدخل بعد الزراعة، مع استقبال البلد مليون سائح سنويا، اما نهضة رواندا الاقتصادية فقد تزامنت مع نهضة اجتماعية شملت جميع نواحي الحياة، فإلقاء نظرة على تطور الناتج الداخلي الخام في رواندا يكشف تطور هذا المؤشر عشرة أضعاف في غضون 13 سنة، فبعدما كان لا يتعدى 900 مليون دولار سنة 1994، أصبح يناهز 9.14 مليار دولار سنة 2017. وتحولت إلى واحدة من أهم الاقتصادات الناهضة في العالم وانخفضت نسبة الأمية في أوساط الروانديين من 50 في المائة إلى 25 في المائة. في المقابل ارتفع متوسط حياة الفرد من 48 عاما إلى 64 عاما. واحتلت رواندا المركز 44 عالميا، والأولى على مستوى إفريقيا في مؤشر محاربة الفساد. فالروانديون يشعرون طوال الوقت بأن لا أحد فوق القانون، ثقة بالمؤسسات ساعدت على جذب المستثمرين إلى جانب توافر الأيدي العاملة، وسهولة إنشاء شركة؛ إذ لا يتطلب الأمر سوى خمس ساعات فقط. وحازت العاصمة الرواندية كيجالي لقب أنظف عاصمة إفريقية يخرج جميع سكان العاصمة يوم السبت الأخير من كل شهر لتنظيف شوارع مدينتهم، من رئيس البلاد حتى أصغر طفل. كما أن رواندا تعد واحدة من أكثر عشر وجهات سياحية أمانا في العالم. وبلغ الاهتمام بالجانب المعلوماتي والتكنولوجي ورقمنة البلاد مستويات عليا، قياسا بالمعدلات المعروفة في القارة الإفريقية

قدمت رواندا درسا بليغا لبلدان العالم الثالث، مفاده أن تحقيق المعجزات لا يزال ممكنا في أي بلد بما في ذلك اليمن الذي تعصف به الحرب الأهلية منذ سبع سنوات !!

ولكن ذلك لن يتحقق إلا بصفاء النيات والعمل  برؤية واضحة وقيادة حازمة وإدارة مواطنة متساوية !!

د . علوي عمر بن فريد