ليس كل ما يبدو دولةً هو دولة وليس كل ما يبدو انتصارًا هو نجاحًا

2026-03-24 13:58

 

​في الجنوب العربي، تبدو بعض الكيانات السياسية التي تعمل تحت يافطة الشرعية وكأنها تمارس وظائف الدولة: مؤسسات قائمة، خطابات رسمية، حضور إعلامي، وادعاء بالسيطرة. غير أن تفكيك هذه الصورة يكشف أن كثيرًا مما يُقدَّم على أنه منظومة حكم ليس سوى محاكاة شكلية لسلطةٍ تفتقر إلى السيادة الحقيقية تمارس فيها كل أنواع السعي لاكتساب الغنائم تحت ضغط السير في طريق الانهيار. 

 

من الطبيعي أن القوى المرتبطة بما يُسمّى الشرعية تحاول الإيحاء بالاستقرار والاستمرارية لجني المزيد من المكاسب الخاصة، لكن هذا الاستقرار يعتمد في جوهره على دعم خارجي أكثر من اعتماده على قبول داخلي. إنه استقرارٌ هشّ، يُدار كأزمة لا كمشروع حكمٍ وطنيٍّ متماسك. ومثل هذا النموذج لا يصمد أمام أول اختبارٍ جدي، لأنه بلا جذور اجتماعيةٍ راسخة، ولا يقوم على عقدٍ سياسيٍّ واضح المعالم. 

 

 في المقابل، يُسوَّق أحيانًا صمود بعض القوى المعادية للجنوب، وعلى رأسها الحوثيون، كدليلٍ على القوة. لكن هذا الصمود في كثير من الأحيان ليس إلا إدارةً ذكيةً لحالة استنزاف، أو محاولةً لكسب الوقت في ظل اختلال موازين القوة. فمجرد الاستمرار في القتال أو السيطرة لا يعني بالضرورة امتلاك مشروعٍ قابلٍ للحياة، بل قد يكون مجرد تأجيلٍ لانكشافٍ أعمق. 

 

 الخطورة في المشهد لا تكمن في قوة الخصوم بقدر ما تكمن في وهم تلك القوة. إن قراءة الواقع عبر مظاهره السطحية تؤدي إلى أخطاءٍ استراتيجية، بينما الفهم العميق يكشف أن كثيرًا من هذه القوى تعيش على توازناتٍ مؤقتة، لا على أسسٍ صلبة. 

 

 اللحظة الراهنة تفرض على الجنوب إعادة تعريف مشروع الدولة بعيدًا عن القوالب الشكلية: دولةٌ تنبع من إرادةٍ داخلية، ويستند مشروعها إلى بناء مؤسساتٍ حقيقية، لا إلى اعترافاتٍ خارجيةٍ عابرة. كما تفرض عدم الانخداع بما يبدو صمودًا لدى الخصوم، لأن ما يظهر ثباتًا قد يكون في جوهره إدارةً متأخرةً للانهيار. 

 

في السياسة، كما في التاريخ، لا يُقاس البقاء بطول الزمن، بل بقدرة المشروع على الاستمرار. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الجنوب لا يكمن في مواجهة خصومه فحسب، بل في تجنّب الوقوع في الوهم ذاته: وهم الحفاظ على شكل مشروع الدولة دون امتلاك مضمون خارطة الطريق الفعلي لاجتراحها.