ليست الحرب الجارية مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة تكسير عميق لقواعد الشرق الأوسط التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية، المنطقة التي قامت توازناتها على دول مركزية وأدوار إقليمية مستقرة نسبيًا تدخل طورًا مختلفًا، لم يعد الثابت ثابتًا، ولم يعد الممكن محكومًا بقواعد الأمس.
إيران ليست مجرد طرف في الصراع، بل أحد أعمدة النظام الإقليمي الذي يتعرض للتفكيك، منذ عهد الشاه، مرورًا بالجمهورية الإسلامية، بقيت إيران عنصرًا لا يمكن تجاوزه في تعريف الشرق الأوسط، حتى بعد انتقالها من حليف للغرب إلى خصم له، ظل حضورها جزءًا من معادلة التوازن، اليوم لا يجري احتواء هذا الدور، بل كسره وإعادة تشكيله جذريًا.
المعضلة في مثل هذه اللحظات أن الهدم يسبق البناء، لا أحد يملك تصورًا جاهزًا لما بعد إيران، ولا خرائط واضحة للمرحلة التالية، التجارب التاريخية تقول أن الكيانات الكبرى حين تنكسر لا تُنتج نسخة معدّلة من نفسها، بل تُطلق سلسلة تحولات، الاتحاد السوفيتي تفكك إلى خمس عشرة دولة، ويوغسلافيا إلى سبع، وتشيكوسلوفاكيا إلى دولتين، ما بعد الانكسار لا يعني استقرارًا سريعًا، بل مسارًا طويلًا من إعادة التشكل.
السنوات المقبلة لن تكون سنوات حاسمة، بل سنوات تفاعلات عميقة داخل إيران ومحيطها، قد تُنتج أشكالًا جديدة من النفوذ والهوية والدولة، الخطر لا يكمن في الحرب فقط، بل في الفراغ الذي تتركه.
هنا تُختبر الدول المتماسكة، السؤال لم يعد كيف تُدار الأزمات، بل كيف يُعاد تعريفها، الاستمرار في سياسات تقوم على رهانات مؤقتة أو تحالفات مع قوى عابرة للدولة لم يعد ممكنًا، لأن هذه المقاربة لا تبني استقرارًا، بل تؤجل الانفجار.
اليمن يقدم نموذجًا كاشفًا، لم تكن أزمته يومًا أزمة سلطة فقط، بل أزمة تعريف للدولة نفسها، التحولات الراهنة تسقط إمكانية إعادة إنتاج الصيغ القديمة التي فشلت مرارًا، الجنوب، بوصفه واقعًا سياسيًا وعسكريًا قائمًا، لم يعد تفصيلًا يمكن تجاوزه، بل أحد مفاتيح فهم ما يجري في اليمن وربما في الإقليم ككل.
الواقعية السياسية لا تعني الانحياز لطرف، بل الاعتراف بأن الخرائط تتغير، إنكار هذا التغير لا يحافظ على الاستقرار، بل يطيل أمد الفوضى، التعامل مع الجنوب كحقيقة سياسية، وإعادة النظر في المقاربات التي حكمت الملف اليمني خلال السنوات الماضية، ضرورة استراتيجية لا خيارًا أخلاقيًا.
السياسات السعودية ما تزال أسيرة منطق قديم، بدل التكيّف مع التحولات، جرى في محطات معينة التصعيد عبر خطوات أحادية أربكت المسار وكشفت حدود الرهانات السابقة، بما في ذلك الارتباط بقوى الإسلام السياسي، هذه المقاربة لم تُنتج استقرارًا، بل عمّقت الفوضى، وأظهرت الحاجة إلى مراجعة تعيد تعريف المصالح وفق منطق الدولة لا منطق الجماعة.
التحول المطلوب أعمق من ملف واحد، الشرق الأوسط الذي يتشكل لن تحكمه موازين القوة العسكرية فقط، بل قدرة الدول على إدارة تناقضاتها الداخلية، أزمات المنطقة ليست أزمات حدود، بل أزمات هوية طائفية ومذهبية وعرقية ودينية، هذه الأزمات لا تُحل بالصواريخ، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومجتمعها.
أي محاولة لبناء شرق أوسط جديد دون تجديد الخطاب الديني، وتوسيع هامش الحريات، وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة، ستعيد إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة، الدولة التي تعجز عن احتواء تنوعها ستظل عرضة للاختراق، مهما بلغت قوتها العسكرية.
ما يجري لحظة انتقالية نادرة، نظام إقليمي يتفكك، وآخر لم يتشكل بعد. في مثل هذه اللحظات، لا تنجو الدول بالشعارات، بل بالواقعية السياسية، ولا تستقر بالقوة وحدها، بل بقدرتها على إعادة تعريف نفسها.
علينا التذكر أنه في العام 1943 أن الزعيم السوفيتي ستالين والرئيس الأميركي روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا العظمى تشرشل اجتمعوا في طهراان ومنحوا نظام الشاه النفوذ في هذا الجزء من العالم، وها نحن نشهد تكسير إيران وتفتيتها بغياب قوى الماضي ومشاركة إسرائيل كقوى معاصرة، زاوية باعثة للتأمل في مشهد التاريخ.
السؤال لم يعد من سيربح هذه الحرب، بل من سيفهم ما بعدها، ومن سيملك الشجاعة للعودة خطوة إلى الوراء، لا بوصفها هزيمة، بل شرطًا لإعادة التقدم في اتجاه مختلف.
اللحظة الكبرى تتطلب الواقعية السياسية والقبول بالواقع والاتزان في السياسات فلا يمكن لأصحاب الطيّش أن يحققوا شيئاً وتكفي انتكاستهم الفاضحة في أن يكونوا في مستقل الشرق الأوسط بغير القبول بوقعية الأشياء كما هي إسرائيل حقيقة كما هي الولايات المتحدة والصين والجنوب العربي وأرض الصومال وغيرها من الكينات فلا وصاية لأحد على أحد.