في اليوم الأخير من رمضان، حين تبدأ الروح تميل إلى الوداع، وتستعد القلوب لاستقبال العيد بشيء من الفرح وكثير من الترقب، يكتشف المواطن البسيط أن فرحته مؤجلة، إلى أن يقضي الله فيها أمرا كان مفعولا.
رمضان الذي يفترض أن يُختم بالدعاء، يُختم هنا بحسابات مرهقة: كم تبقى من الراتب؟ وكم بقي من القدرة على الصبر؟ وبين السؤالين، تتبخر الإجابة كما يتبخر الغاز من الأسواق.
لم يعد غلاء المعيشة مجرد شكوى موسمية، بل صار رفيقًا يوميًا يطرق باب كل بيت دون استئذان. المرتبات ثابتة كأنها أيقونة من التراث، بينما الأسعار تتحرك بخفة يد سارق الفرحة لا يعرف الرحمة.
الفجوة بينهما لم تعد فجوة، بل حفرة سحيقة، يسقط فيها المواطن، ويختفي كلما حاول أن يقف.
راتب نهاية الشهر، بالكاد يصل أسبوعه الأول. وما تبقى من الأيام، يُدار بالصبر، والدَّين، وأحيانًا بابتسامة ساخرة تقول: "نحن بخير يا عيالي أرجوكم لا تفتحوا الثلاجة".
أما الحكاية الأكثر عبثية، فهي معادلة العملة. حين ترتفع قيمتها، يفترض أن تنخفض الأسعار، هكذا يقول المنطق، وهكذا تُدرّس الاقتصاديات.
لكن عندنا، يبدو أن المنطق في خبر كان، ترتفع العملة، فترتفع الأسعار، تنخفض العملة، فترتفع الأسعار أيضًا.
كأن السوق قرر أن يعيش حياته الخاصة، بلا علاقة بما يحدث في العالم أو حتى في جيب المواطن الكحيان. معادلة لا تحتاج إلى خبير اقتصادي لفهمها، بل إلى عقلية دولة لا تفرق بين الحساب والإرتجال.
في بلادنا، كل الطرق تؤدي إلى الغلاء". ثم يأتي الغاز المنزلي، الحاضر الغائب، الضيف الثقيل الذي لا يأتي.
في رمضان، حيث الموائد تنتظر، والأفران تشتاق لريحة الغاز، يصبح الحصول على أسطوانة واحدة إنجازًا يُروى في المجالس، ويُحتفى به أكثر من إعلان العيد.
الناس لا تبحث عن رفاهية، بل عن أساسيات: نار تُطهى عليها لقمة، دون أن تضطر للوقوف في طوابير تمتد أطول من شارع المعلا. ومع ذلك، يظل الغاز لغزًا صعب الحل، كأنه قرار سياسي لا سلعة حياتية.
ما بين خواتم رمضان وفرحة العيد، لا يبحث الناس عن الكمال، بل عن حد أدنى من الطمأنينة. يريدون عيدًا لا يُقاس بعدد الديون، ولا تُقاس فرحته بقدرتهم على إخفاء القلق عن أطفالهم.
يريدون أن يكون العيد عيدًا، لا مناسبة لتذكيرهم بأن الحياة أصعب مما ينبغي.
وفي النهاية، تبقى الأسئلة معلقة:
كيف يعيش المواطن بين راتب لا يكفي وسوق لا يرحم؟
كيف ترتفع العملة دون أن تنخفض الأسعار؟
ولماذا أصبح الغاز حلمًا موسميًا؟
أسئلة كثيرة، لكنها للأسف، لا تجد إجابات، بقدر ما تجد واقعًا يتكرر، وعيدًا يأتي، وليته تأجل.