وداعـاً رمـضـان

2026-03-18 21:11

 

بالأمس كنا نقول أهلاً يا شهر رمضان واليوم نقول وداعاً رمضان... فما أسرع خطاك تأتي على شوق وتمضي على عجل.

فسبحان من وصفك بـ ((أياماً معدودات)) شهرٌ خفيف الظل، عظيم الأثر، كريم العطاء، سريع الرحيل.

 

كنا قبل أيام نترقب هلالك بلهفة وها نحن اليوم نترقب هلال شوال، وكأن الأيام انسلّت من بين أيدينا دون أن نشعر.

نسأل الله أن يغدق علينا من بركاتك، وأن يجعلنا من المرحومين لا من المحرومين.

 

نودّعك وقد أوشكت على الرحيل ونجدّد العهد مع الله فهنيئًا لمن صام نهارك وأحيا ليلك وتلا القرآن واغتنم نفحاتك المباركة.

فأبواب الرحمة مفتوحة وعطاء الله لا ينقطع:

(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ).

 

ها قد تصرّمت أيامك ولم يتبقَّ منك إلا يومٌ واحد او سويعات معدودة فهلمّوا إلى الطاعات وسارعوا إلى الصدقات وأكثروا من الدعاء فالساعات المباركة لا تعود.

 

نحزن لفراقك وتدمع العيون عند وداعك لأننا لا ندري: هل رُفعت لنا أعمال؟ وهل اقتربنا من الله كما ينبغي؟

كيف لا نحزن، وأنت شهر الرحمة، ومغفرة الذنوب، وإقالة العثرات، وفيك ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر؟

 

نودّعك لا لغياب موائدك بل لرحيل سكون لياليك ونفحات روحانيتك التي لا تعوّض.

وفي وداعك عبرة… فكما كان لك بداية، كان لك نهاية، وكذلك هي الحياة.

 

والأهم أن لا يكون رمضان موسماً عابراً، بل منهجًا ممتدًا؛ نستبقي فيه القرآن رفيقًا، وصلة الرحم خُلقًا، والعمل الصالح عادة، وعمارة المساجد سلوكاً دائماً.

ولا ننسى كلمة ((اللهم إني صائم))، نجعلها خُلقاً في كل الشهور، نرد بها الإساءة، ونرتقي بها فوق الجراح.

 

قال النبي ﷺ: ((إن الشقي من حُرم مغفرة الله في هذا الشهر العظيم)).

فاللهم لا تقضه إلا وأنت راضٍ عنا، واجعلنا من المقبولين، ومن عتقائك من النار.

 

وفي هذا المقام، نستذكر أحبة فقدناهم… كانوا يشاركوننا موائد الإفطار والسحور، ثم غابوا، وبقيت أماكنهم شاهدة على الغياب.

رحمهم الله، فما زالت ذكرياتهم حيّة في القلوب، توقظها الأشواق، وتؤلمها المسافات.

ندعو لهم بالعفو والمغفرة ونسأل الله أن يبلغهم أجر ما كنا نعمل وهم بيننا.

 

يمضي رمضان شاهداً لنا أو علينا: شاهدًا لمن صامه إيمانًا واحتسابًا، وقامه صدقاً وإخلاصاً وشاهداً على من غفل وأعرض وفرّط.

كأنه سوقٌ انفضّ ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر.

فكم من ساجدٍ سجد وذاكرٍ ذكر، وخاشعٍ خشع وكم من غافلٍ فرّط، ومذنبٍ أضاع.

 

ارتحل شهر الصيام فطوبى للفائزين وهنيئاً للمقبولين، وحسرةً على من ضيّعوا أيامه ولياليه.

 

ختاماً…

نسأل الله أن يوحّد كلمة المسلمين وأن يجمعهم على الخير وأن يجعل مواسم الطاعة سبباً في إصلاح القلوب ولمّ الشمل وأن يرفع عن الأمة ما بها من كرب وبلاء.

اللهم احفظ بلاد المسلمين وأدم عليها الأمن والاستقرار، واكفها شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.