المثقف الجنوبي … الجلد مطلوب

2026-02-24 22:53
المثقف الجنوبي … الجلد مطلوب

أ د أحمد الشاعر باسرده

 

تمرّ الساحة الجنوبية، وفي القلب منها عدن، بمرحلة دقيقة تتكاثر فيها التحديات وتتسارع فيها التحولات، الأمر الذي يضع المثقف الجنوبي أمام اختبار حقيقي لدوره ووظيفته التاريخية. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في تعقيد المرحلة، بل في هشاشة البنية الفكرية لدى بعض من يُفترض أنهم طليعة الوعي. فحين يصبح المزاج بديلاً عن الموقف، وردّة الفعل بديلاً عن الرؤية، يتحول الخطاب الثقافي إلى موجة متقلبة، ترتفع في لحظة غضب وتهبط في لحظة رضا، بلا معايير ثابتة ولا بوصلة واضحة.

 

المثقف الذي يتغير موقفه عدة مرات في اليوم الواحد، ويتفاعل مع الأحداث بعاطفة صفراوية حادة، يعادي بسرعة ويتراجع بالسرعة ذاتها، لا يصنع وعياً عاماً ولا يؤسس لثقة مجتمعية. فالمجتمعات الخارجة من الأزمات لا تحتاج إلى أصوات مرتفعة بقدر حاجتها إلى عقول متزنة. وحين يغيب الصبر أمام المتغيرات، ويحلّ التوتر محلّ التحليل، يصبح المثقف جزءاً من الأزمة لا أداةً لتفكيكها.

 

إن الحاجة اليوم ملحّة إلى معايير ثابتة تحكم علاقة المثقف الجنوبي بوطنه وثوابته وهويته وتطلعات شعبه. الثبات هنا لا يعني الجمود، بل يعني وضوح المرجعية: الانحياز الدائم لكرامة الإنسان، وصون الأرض، وحماية الهوية، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الشخصية. المثقف الحقيقي لا ينجرف مع كل موجة، ولا يكتب تحت تأثير الانفعال، بل يزن كلمته بميزان المسؤولية، مدركاً أن الكلمة في المراحل الحساسة قد تبني وعياً أو تهدم ثقة.

 

وفي المقابل، فإن السياسي ليس حالماً مثالياً ولا خطيباً عاطفياً، بل هو ذلك الذي يتعامل مع الممكن ويجيره لصالح شعبه. السياسة فن إدارة الواقع كما هو، لا كما نتمناه، وتحويل التوازنات المعقدة إلى مكاسب تراكمية، ولو كانت صغيرة. وعندما يهاجم المثقف كل خطوة لأنها لا تطابق المثال الكامل، فإنه يساهم في تعطيل الممكن دون أن يقدم بديلاً قابلاً للتحقق. العلاقة الصحية بين المثقف والسياسي تقوم على النقد المسؤول لا على الهدم، وعلى التقويم لا على التشكيك الدائم.

 

عدن اليوم في حاجة إلى مثقف واعٍ يدرك حسابات الربح والخسارة، ويعرف أن الفكرة التي تُرمى في المجهول قد تتحول إلى عبء على أصحابها. المطلوب عقل استراتيجي يرى أبعد من اللحظة، ويقرأ التوازنات المحلية والإقليمية، ويفهم أن تراكم الإنجازات—even إن بدت متواضعة—أجدى من شعارات كبيرة بلا أثر. فالأوطان لا تُبنى بانفعالات عابرة، بل برؤية ثابتة وإرادة صلبة وحسابات دقيقة.

 

إن المرحلة تتطلب إعادة تعريف دور المثقف الجنوبي: من ناقد غاضب إلى شريك في صناعة الوعي، ومن متقلب المزاج إلى صاحب موقف راسخ، ومن مستهلك للحدث إلى صانع لمعناه. وعندما تتأسس هذه المعايير، يصبح الخطاب أكثر اتزاناً، والسياسة أكثر قابلية للنجاح، ويجد الوطن في مثقفيه سنداً لا عبئاً، وعقلاً يرشّد المسار لا صوتاً يضاعف الضجيج

 

ا.د احمد الشاعر باسردة 

رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering