باب المندب ليس مجرد مضيق عابر بين بحرين، بل هو أحد أهم مفاتيح الأمن القومي العربي، وبوابة استراتيجية تتحكم في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب. هذا الموقع الحساس لم يكن يومًا بعيدًا عن معادلات الصراع الإقليمي والدولي، بل ظل دائمًا في قلبها، يحدد موازين القوة ويعكس طبيعة التحالفات.
تاريخيًا، لعبت الدولة الجنوبية في اليمن دورًا محوريًا في حماية هذا المضيق. ويكفي التذكير بما جرى خلال حرب أكتوبر 1973، حين تم إغلاق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية، في خطوة استراتيجية أسهمت في دعم الموقف العربي عسكريًا وسياسيًا. حينها، أدركت القيادة المصرية أهمية هذا الدور، فجاءت رسالة الشكر من الرئيس أنور السادات إلى الرئيس سالم ربيع علي، لتوثّق لحظة تناغم عربي نادر، كان فيها الجنوب فاعلًا رئيسيًا في معركة المصير.
هذا الحدث لم يكن مجرد موقف عابر، بل رسالة عميقة بأن السيطرة على باب المندب ليست قضية محلية أو هامشية، بل هي ورقة قوة عربية بامتياز، يجب أن تبقى في يد من يوظفها لصالح الأمن والاستقرار العربي، لا أن تتحول إلى أداة ابتزاز أو نفوذ لقوى إقليمية غير عربية.
اليوم، وفي ظل التحولات المتسارعة، تعود أهمية باب المندب بشكل أكثر إلحاحًا. فالمضيق بات عرضة لتجاذبات إقليمية، ومحاولات واضحة لتوظيفه في صراعات تتجاوز حدود اليمن، كما يحدث من قبل جماعة الحوثي المرتبطة بإيران، والتي تسعى إلى استخدام هذا الممر الحيوي كورقة ضغط تهدد أمن الملاحة الدولية وأمن دول الخليج والجزيرة العربية.
من هنا، فإن الحديث عن قيام دولة جنوبية مستقلة ذات سيادة لم يعد مجرد طرح سياسي، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بمعادلة الأمن الإقليمي. وجود كيان جنوبي مستقر، يمتلك القدرة والإرادة لحماية سواحله ومياهه الإقليمية، يمثل عنصر توازن ضروري، وحائط صد أمام أي محاولات لاختراق هذا العمق الاستراتيجي العربي.
إن دعم القوات الجنوبية لا يجب أن يُفهم فقط في سياق داخلي، بل كجزء من رؤية أوسع لحماية الأمن القومي العربي. هذه القوات، بحكم الجغرافيا والخبرة التاريخية، هي الأقرب والأقدر على تأمين باب المندب، ومنع استخدامه كورقة تهديد أو مساومة. وبالتالي، فإن تعزيزها وتوحيدها وتوجيهها ضمن إطار استراتيجي واضح يخدم مصالح المنطقة، هو استثمار في الاستقرار، وليس مجرد دعم طرف على حساب آخر.
في المقابل، فإن أي محاولات لتفكيك هذه القوات أو إضعافها، تحت أي مبرر، لا تصب في مصلحة الأمن الإقليمي، بل تفتح المجال أمام فراغ أمني قد تستغله قوى معادية لفرض واقع جديد في هذا الممر الحيوي. والتاريخ يثبت أن الفراغ في المناطق الاستراتيجية لا يبقى طويلًا، بل تملؤه الأطراف الأكثر تنظيمًا واستعدادًا، بغض النظر عن توجهاتها.
الرسالة التي يجب أن تُفهم إقليميًا اليوم هي أن أمن باب المندب لا ينفصل عن أمن الخليج العربي والجزيرة العربية ككل. وأن الحفاظ عليه كممر آمن ومستقر يتطلب قراءة واقعية للمعطيات، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، والانطلاق نحو شراكات حقيقية مع القوى القادرة على حمايته.
باب المندب كان وسيظل نقطة اختبار حقيقية للإرادة العربية: إما أن يبقى تحت مظلة حماية تخدم المصالح العربية المشتركة، أو يتحول إلى أداة في صراعات الآخرين. والاختيار هنا ليس نظريًا، بل هو قرار استراتيجي يحدد شكل المرحل