كل عام، ومع اقتراب هلال شهر الخير والبركة، يدب النشاط في أوصال الأرض. تستعد البشرية لاستقبال ضيف عزيز، تتزين له القلوب قبل الشوارع، وتكتظ الأسواق بالخيرات، وتعم الفرحة الأرجاء. إنه مشهد كوني يبعث على التفاؤل والأمل. لكن في ركن بعيد من هذا العالم، في جنوب اليمن العربي، يتكرر المشهد لكن بسيناريو مختلف تماماً، سيناريو لا يحمل من ملامح رمضان سوى اسمه.
هناك، حيث يصادف حلول الشهر الكريم حلولاً مضاعفاً للمعاناة، تتجلى أقسى مفارقات الحياة. إنها فجوة إنسانية هائلة بين من يستقبل رمضان بالعبادات والموائد العامرة، ومن يستقبله بالحسرة والحرمان والألم المزمن.
رمضان في العالم: بهجة تسبقها بهجة
في شتى بقاع الأرض، تبدأ قصة رمضان قبل أيام بل أسابيع من قدومه. إنها قصة استباق للفرحة:
· الاستعداد المادي والمعنوي: تزدحم الأسواق بالسلع الرمضانية الخاصة، وتتبارى وسائل الإعلام في إعداد البرامج الدينية والترفيهية، وتتحول المطابخ إلى معمول لإعداد أشهى الأطباق التي تزين الموائد عند الإفطار.
· طقوس العبادة والروحانيات: تمتلئ المساجد بالمصلين، وتُقام صلاة التراويح في أجواء إيمانية خاشعة، وتكثر حلقات الذكر وتلاوة القرآن، ويتسابق الناس إلى فعل الخيرات وإخراج الصدقات.
· فرحة العيد: وقبل انتهاء الشهر، يبدأ الاستعداد لفرحة الختام. تكتظ الأسواق من جديد لشراء ملابس العيد الجديدة، وتبتهج قلوب الأطفال وهم ينتقون أجمل الثياب لاستقبال يوم الجائزة.
هكذا هو رمضان في العالم... استبشار واستعداد وفرحة تعم الكبير والصغير.
رمضان في الجنوب العربي: معاناة لا تشبهها معاناة
أما في الجنوب العربي، فالمشهد مختلف إلى حد الفجيعة. هنا، لا يستقبل الناس رمضان، بل يواجهونه بوجل وقلق. الأسواق لا تزدحم لأن الجيوب خاوية، والموائد لا تعرف التنوع لأن الخبز ذاته أصبح حلماً. معاناة الجنوبيين في رمضان استثنائية، فهي تجمع كل صنوف الألم:
1. معاناة مزدوجة في الشهر الأعظم: بدلاً من أن يخفف رمضان وطأة الحياة، فإنه يزيدها حدة. فمع ارتفاع الطلب على المواد الغذائية في العالم، ترتفع أسعارها في الجنوب بشكل جنوني، ولا يجد المواطن الجنوبي ما يسد به رمقه. مشهد مائدة الإفطار التي كانت يوماً ما عامرة، تحولت إلى حلم مؤجل. أين هي أصناف الطعام التي تزين موائد المسلمين؟ لقد استبدلت بلقمة العاشق وحبات التمر التي يقتسمها أفراد العائلة الواحدة.
2. أطفال بلا عيد: أكثر ما يميز رمضان في العالم هو فرحة الأطفال بقدوم العيد. أما في الجنوب، فالأطفال هم أكثر من يدفع الثمن. يسألون عن ملابس العيد الجديدة، ولا يجدون جواباً غير الدموع في عيون آبائهم المعذبين. يحلمون بشراء لعبة أو حذاء جديد، لكن الحلم يتحول إلى كابوس عندما يرون دموع أمهاتهم وهي تحاول تدبير لقمة العيش. طفولة مسروقة في شهر الرحمة.
3. انعدام مقومات الحياة الأساسية: كيف يستقبل الناس شهر الصيام وهم يعانون انقطاع الكهرباء لساعات طويلة؟ كيف يستعدون للإفطار وهم بلا مياه نظيفة؟ كيف يتعبدون في المساجد وهم قلقون على قوت غدهم؟ إن معاناتهم ليست رفاهية، بل هي معاناة البقاء على قيد الحياة في ظروف لا إنسانية.
4. جرح الهوية: في كل استعدادات رمضان، يتجدد جرح الهوية. الجنوبي يستعد لاستقبال الشهر الكريم في وطنه، لكن وطنه مغيب. هوية مسلوبة، ودولة مفقودة، وحلم مؤجل. هذا الجرح النفسي العميق يضاعف من وطأة المعاناة المادية.
مناشدة إلى العالم: التفاتة إنسانية عاجلة إلى جنوب يئن
أيها العالم... ها هو شهر الرحمة يطل علينا، حاملاً معاني التسامح والعطاء والإنسانية. وفي هذا الشهر تحديداً، نناشد ضميركم الحي أن يلتفت إلى هذه البقعة المنكوبة من الأرض.
· نناشد الهيئات الإغاثية: ألا تنسوا الجنوب العربي في خططكم الرمضانية. هناك ملايين الجياع والعطشى والمرضى بانتظار قطرة ماء ولقمة طعام ودواء يسد الرمق.
· نناشد الإعلام الحر: أن يسلط الضوء على هذه المعاناة الفريدة. أن ينقل للعالم صورة حقيقية عن أطفال الجنوب المحرومين من فرحة العيد، وعائلاته التي تواجه الشهر الفضيل بصبر أيوب. أظهروا للعالم الوجه الآخر لرمضان... وجه الألم الذي لا تشبهه أي معاناة.
· نناشد المنظمات الحقوقية: أن ترفع صوتها عالياً ضد الحصار الخانق والإهمال الممنهج. أن توثقوا معاناة شعب يتعرض لموت بطيء تحت أنظار العالم.
· نناشد كل إنسان حر في هذا العالم: في شهر الخير والعطاء، تذكروا أن هناك شعباً في الجنوب العربي يصوم عن الطعام والشراب، لكنه أيضاً يصوم عن الأمن والأمان والكرامة والهوية. تذكروهم في دعائكم، وادعوا من أجل كشف كربتهم.
خاتمة: رمضانكم مبارك... وجنوبنا في القلب
لن نمل ولن نكل من تكرار هذه الرسالة: شعب الجنوب العربي يستحق الحياة الكريمة. يستحق أن يستقبل رمضان مثل باقي شعوب الأرض، بالفرحة والاستعداد والأمان. يستحق أن يرى أطفاله يلبسون الجديد في العيد. يستحق أن تعود له هويته ودولته.
إنها دعوة صادقة من قلب يعتصر ألماً على ما آل إليه حال الجنوب العربي. نسأل الله في هذا الشهر الفضيل أن يفرج كربهم، وأن ينصر قضيتهم العادلة، وأن يعيد عليهم رمضان وقد تحررت أرضهم وعاد إليهم الأمن والاستقرار والرخاء.
رمضان كريم على الجميع... ولفتة إنسانية عاجلة إلى جنوبنا الحبيب.
وتم بحمد الله وتوفيقه
عدن - 14 فبراير 2026م