بعد عشر سنوات من اندلاع الحرب والغزو الثاني للجنوب وفي ظل تحولات سياسية عميقة تشهدها الساحة الجنوبية، اليمنية والإقليمية، يطفو على السطح تساؤل مصيري حول مستقبل شرعية رشاد العليمي ومجلسه الرئاسي، التي بات يُنظر إليها من قبل الكثيرين أنها مجرد هياكل فارغة من أي محتوى لم تعد قادرة على الفعل السياسي أوالعسكري، لا في مواجهة الحوثي، وفوق ذلك تقف عائقا أمام تطلعات شعب الجنوب لإعادة بناء دولته المستقلة وتقرير مصيره بعيداً عن إرث الوحدة الاندماجية التي انتهت فعلياً.
منذ إعلان الوحدة بين اليمن والجنوب عام 1990، قدم العالم دعمه الكامل للدولة الموحدة، معترفاً بها ككيان سيادي، ومع ذلك، تهاوت أسس هذه الوحدة مع اندلاع حرب صيف 1994، التي انتهت بتغليب القوة العسكرية على التوافق السياسي، ورغم استمرار الاعتراف الدولي بالوحدة آنذاك، إلا أن الواقع على الأرض شهد انفصالاً غير معلن، حيث ظل الجنوب يعاني التهميش السياسي والاقتصادي، ما أدى إلى ظهور دعوات متزايدة لاستعادة الهوية الجنوبية وبناء دولة جنوبية جديدة.
في السنوات الأخيرة، ومع تعقيد الأزمة في صنعاء واندلاع الحرب في 2015، أوجد العالم عبر الأمم المتحدة شرعية بديلة للدولة المتهالكة، تجسدت في الحكومة الشرعية التي قادها هادي حتى أبريل 2022، واليوم رشاد العليمي. إلا أن هذه الشرعية أصبحت عاجزة عن تحقيق أيا من أهدافها، سواء في استعادة السيطرة على صنعاء وأجزاء من اليمن يقع تحت يد الحوثي أو في تحقيق استقرار سياسي واقتصادي ملموس في الجنوب المحرر، والأهم من ذلك، فإن هذه الشرعية باتت تعتمد بشكل كبير على الأرض الجنوبية، مما يثير تساؤلات حول جدوى استمرارها.
لماذا إسقاط شرعية رشاد العليمي ومجلسه؟
أولا، انتهاء السند القانوني لبقاء الجنوب في وحدة طرفها الآخر ساقط، لأن النظام الموحد انتهى فعلياً بفعل الحرب والانقسامات السياسية، ولم تعد تمثل واقعاً عملياً على الأرض. بالتالي، فإن استمرار التمسك بشرعية قائمة على الوحدة الاندماجية أصبح أمراً غير منطقي من منظور جنوبي وحقائق واقعية على الأرض.
ثانيا، من مصلحة الجنوب ألّا يكون شريكاً أو داعماً لهذه الشرعية لأنه لم تعد هناك مصلحة مشتركة بين الطرفين المؤسسيين للوحدة، ولأن وجودها يُبقي الجنوب رهينة لوحدة سياسية ميتة ويعطل تطلعات شعبه نحو بناء دولته المستقلة.
ثالثا، إسقاط الشرعية يعني سقوط الاتفاقيات السابقة
لأن القضاء على شرعية رشاد العليمي ومجلسه يعني سقوط كل الاتفاقيات التي تم التوصل إليها تحت مظلة الوحدة، وفيها الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية التي فرضتها قوى نفوذ المركز المقدس في صنعاء على الجنوبيين، ولأن هذا السقوط يفتح الباب أمام الجنوب لإعادة بناء كيانه السياسي من الصفر.
رابعا، مع سقوط الشرعية، يصبح للجنوب الحق القانوني والدولي في العمل على تأسيس حكومة ودولة مستقلة على أرضه. هذا الحق يمكن أن يكتسب زخماً دولياً إذا تم تقديمه كبديل مستدام لأزمة الشرعية الحالية.
لقد بات واضحاً أن شرعية رشاد العليمي لم تعد تمثل سوى مجموعة من أصحاب المصالح الخاصة والفئوية، وبقاءا لازمة قائمة وعقبة أمام تطلعات شعب الجنوب نحو الاستقلال وإعادة بناء دولته. ومن مصلحة الجنوب أن يعمل على إسقاط هذه الشرعية بشكل كامل، وتهيئة الأرضية لإقامة دولة مستقلة تحظى بالاعتراف الدولي. ومع ذلك، فإن هذا الهدف يتطلب رؤية سياسية واضحة واستراتيجية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التحديات الداخلية والخارجية.
لكن إسقاط شرعية رشاد العليمي ومجلسه يتطلب موجبات سياسية ودبلوماسية يجب مواجهتها بحنكة، من بينها:
- الحفاظ على الدعم الإقليمي والدولي، حيث يجب على الجنوب تقديم نفسه كبديل سياسي قابل للحياة، قادر على تحقيق الاستقرار في المنطقة.
- أي تحرك لإسقاط الشرعية يجب أن يكون مدعوماً بوحدة الصف الجنوبي، بعيداً عن الانقسامات والخلافات الداخلية.
- يجب أن يكون الجنوب مستعداً لمتطلبات بناء الدولة بالأنظمة والقوانين وقيادات ذات كفاءة لإدارة موارده وبناء مؤسساته بشكل مستقل وفعال.
إن اللحظة الراهنة تُعد فرصة تاريخية للجنوب لإعادة صياغة مستقبله بعيداً عن إرث الوحدة الاندماجية، وعلى القيادات الجنوبية أن تتحلى بالشجاعة والحكمة لاتخاذ القرارات المصيرية التي ستحدد مصير الأجيال الجنوبية القادمة.
خاص "الأيام"