العنصرية العربية!

2017-02-02 03:05

 

العنصرية التي أظهرها ويظهرها الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، في نظرته وتعامله مع العرب والمسلمين، كريهة وممقوتة لا يبررها ولا يخفف من وقعها على نفوس الضحايا سوى عنصرية العرب والمسلمين تجاه أنفسهم وبني جلدتهم.

فمن تداعيات ما حدث خلال الأيام الماضية في مطارات عدة حول العالم، من منع لمواطني سبع دول عربية وإسلامية من دخول أمريكا ، يبدو موقف وحال العديد من العرب حكاماً وشعوباً باعثاً على الغرابة والتعجب، وهم ينتقدون سياسة ترامب العنصرية تجاه العرب والمسلمين، متناسين أن عنصريتهم هم كعرب قد سبقت عنصرية الغرب والشرق بسنوات ضوئية في النظر إلى إخوانهم في العقيدة واللغة على أنهم أقل منهم قيمة، وبأنهم بفقرهم وتخلفهم يمثلون خطراً على البلدان الأخرى.

ولو لم يكن العرب عنصريين في نظرتهم إلى بعضهم لما تحمل الكثيرون منهم إهانات الشرق والغرب في المطارات وعلى قنوات التلفزة وباقي وسائل الإعلام، فركبوا البحار وتحدوا الأخطار رغبة في الوصول إلى أرض الكفر والملحدين لينالوا بعضاً من الحرية والعدالة والحياة الكريمة التي بحثوا عنها في بلاد الإسلام فلم يجدوها. يؤمن كثيرون من العرب وأنا منهم، أن بإمكان العربي أن يجد ضالته في الحرية والعيش الكريم في أرض أجنبية، لكنهم على يقين ألا كرامة لعربي في أرض عربية غير موطنه الأصل، إن لم يكن هذا الموطن ذاته قد حوله حكامه إلى محرقة تحرق الأخضر واليابس، وتوزع الموت والجوع والإذلال بكرم وسخاء على أبنائه، كما هو حال اليمن والعراق وسوريا وليبيا والصومال والسودان.

بالنسبة لمواطن مثلي يقاسي الغربة في وطنه، و يحلم بالسفر حتى إلى الصومال، فإنني أشعر بكثير من الألم، أنه وفي حين كان الإعلام منشغلاً بمتابعة أخبار عشرات العرب والمسلمين العالقين في مطارات كندا ومطارات أخرى من العالم، فإنه وفي ذات اللحظة كان هناك ما يعادلهم من العرب العدنيين يجبرون على العودة من موانئ جيبوتي والصومال إلى عدن، تحت حجج ومبررات واهية. نعم، كم هو مؤسف أن تصل العنصرية حتى إلى الصومال، البلد التي استقبلت عدن عشرات الآلاف من أبنائها اللاجئين أثناء محنتهم وقاسمتهم الحياة بحلوها ومرها، فنراها تسعى اليوم لإغلاق حدودها مع عدن، وكأنهم سيدخلون دولة اسكندنافية.

باختصار، يمكن القول إن العنصرية التي تمارس ضد العرب والمسلمين في بلدان الغرب، يمارس ضدهم ما يعادلها وأقسى في بلدان عربية وإسلامية شقيقة، والفارق في الحالتين بالنسبة للعربي أنه في حال علق في مطار غربي، أو مُنع من السفر، فإنه لن يهان ولن يجد من تعالي وعنجهية أمن المطارات أو الموانئ الغربية عُشر ما يمكن أن يجده أو يسمعه من عبارات الإهانة لو صادف وتعرض للتوقيف في بلد عربي، وبأوامر سامية عربية ولو عن طريق الخطأ.

 وعلى ذكر حكايات المطارات العربية، أتذكر أنني كنت ذات مرة في جزيرة تيومان الماليزية، الواقعة في بحر الصين الجنوبي، فهطل المطر علينا فجأة، وكنت حينها أرتدي لباساً خفيفاً تسبب في بلل جواز سفري، حتى كاد أن يتلف دون أن أنتبه لذلك. وعند مغادرتي مطار كوالالامبور، سألتني موظفة الجوازات ما هذا؟ قلت لها: مطر. قلت هذا وفي داخلي كتلة رعب من احتمال أن تمتنع عن ختم جوازي، لكنها ابتسمت ابتسامة عريضة حتى اختفت عيناها الصغيرتان، وختمت جوازي ومضيت. وحين وصلنا إلى مطار عربي آخر، أرعبني وجه موظف الجوازات وهو يفتح معي تحقيقاً حول الموضوع بدرجة من الصلف لم يتفوق عليه فيها سوى موظف مطار صنعاء، الذي أظهر من الهمجية والعنصرية ما لو وزعت على مائة شخص لكفتهم، وهو يقول: اسكه اسكه ياعزي. ماهو هذا؟ وأين ع تروح ؟

الخلاصة: ترامب عنصري والغرب عنصريون، لكننا كعرب ومسلمين نتفوق عليهم بعنصريتنا على بعضنا، فلنؤجل نقدنا لهم حتى نصلح أحوالنا في ما بيننا.