حضرموت المبجلة المؤجلة

2015-12-04 03:54

 

حضرموت أكثر ديموغرافيات الجزيرة العربية تماسكاً، تاريخاً وأرضاً وإنساناً، وعليك أن تقطع الصحراء والهضبة والوادي وشريط السواحل، وما بينها وما حولها، لتكتشف أنك بكل حواسك تلمس بيئة حضارية اجتماعية متجانسة، النكهة واللهجة والطبيعة العامة الممتلئة بالبساطة وبالاعتدال والعقلانية دون تغيير، مع اختلاف ناعم جداً لا يدركه الغرباء. 

 

هي هندسة المكان الجغرافي التي وضعت حضرموت في مساحة كبيرة محاطة ببرازخ تفصلها عن الجوار المتنوع، الصحراء شمالاً والبحر جنوباً وامتدادات البر عن يمين وعن شمال، وهي ميزة نادرة مكنت حضرموت من أن تظل حضرموت، بخصوصياتها البشرية والثقافية والحضارية دون أن يتعرض نسيجها لأي تحولات بنيوية حقيقية جراء حركة الهجرات منها واليها، فكانت جديرة بأن تجعل ثقافتها المسالمة غالبة على أي إضافات تركتها المتغيرات التاريخية، عدا فيما اقتضت عمليات الحوكمة السياسية التي استهدفت نخباً بعينها.

 

واسعة وشعب عظيم، لكن في كل التواريخ المعاصرة تم تلخيص حضرموت دائماً من خلال أفراد وُضعوا بإسمها الكبير في مراجيح السلطة حتى يقال بأن حضرموت تحكم، وهي في الحقيقة لم تحكم، ولم تشارك في أن تتحكم في أرضها وترابها ومواردها وفي محيطها، فقد تم هضمها وابتلاعها بطريقة منكشفة ومسموعة، ليس هذا فحسب ولكن المأساة أنه بعد أن تم تجفيفها ظهرت في أحشائها آفة متوحشة تنمو وتنشطر في بيئة الفوضى والانهيارات.

 

مسكوت عنها ومسكوت فيها ومسكوت حولها.. ولا ينصف أهلها القول بأنه تم العبث بها تباعاً، بل سينصف أهلها وقوفهم الصارم أمام العبث وهو مالم يحصل حتى الساعة، فلا نخبة النخب ولا قبيلة القبائل ولا حلف الأحلاف حققت لحضرموت ما تستحق هذه الارض الرائعة.

 

حضرموت حضارة تجمدت دماؤها منذ عقود بينما راح بعض أهلها يحققون نجاحات عظيمة خارجها فشيدوا إمبراطوريات رأسمالية وحققوا نبوغاً في مجالات كثيرة، لكن أي منها لم يُلقِ بغمامة او حبة مطر أو لسعة برق أو صرخة رعد على أرض حضرموت عدا ما يحقق للبعض من فائدة أو عوائد، ولم تحقق تلك الإمبراطوريات تاثير لافت لا على الارض ولا على الإنسان.

 

حضرموت هضبة من الطبقات الكاربوناتية المتألقة التي اغتالها الجيولوجيون بنعتهم لها ب(أم الرضومة)، وواد عظيم ترقرقَ زاخراً عبر عصور انقضت، ثم انكمش لتتساقى منه الأعماق، لكن حضرموت ايضاً هضبة من أجيال تحمل مواصفات الانسانية الذكية  السوية، انجرّت الى بيئة الاحتمالات الملتبسة وتحممت في مستنقعات الغايات السياسية التي يفرضها الآخرون، فاستفرد بها من يمتلك القوة، حتى نالت منها أخيراً مجموعات التطرف “الغريبة” التي لا ترحم أحد.

 

في ساعات تبخرت الألوية العسكرية كعادتها وتسلم “أنصار الشريعة” عرش المكلا بقيَمه المعنوية والسياسية والحضارية الزاخرة، وفرّ المحافظ قبل أن تسنح له الفرصة بإعلان حالة الطوارئ من الرياض لمواجهة الإعصار المداري تشبالا، في كوميديا هي الاكثر سواداً في تاريخ حضرموت المعاصر. لم يعد أحد يفهم معان للمجالس البلدية والأهلية هناك، فجميعها ملخص لحالة مأساة سياسية وغموض مؤلم تعيشها واحدة من أكبر وأشهر الحضارات في جنوب الجزيرة وربما واحدة من أغنى المناطق اذا ما عُرف الغنى بانه حاصل جمع الموارد البشرية والطبيعية بأنواعها.

 

تم تنضيب المجتمع المدني من النخب الفاعلة، مثلما تم تفريغ القبائل من نقائها وتماسكها، في محاولة لتغريب حضرموت عن حضرموت الحقيقية وعن محيطها، بشكل تدريجي متكامل الحلقات، فيما تم تخصيب المجموعات المتطرفة واحتياطاتها وروافدها ومواردها.. مما يعني أن حضرموت مؤجلة ومؤجلة جداً إلى أن يتم إصلاح العالم كله ثم يجري تركيبها على المجسمات السياسية التي تفرزها المرحلة المكتظة بالاحداث المعقدة.

 

حضرموت هي حضرموت بلد متكامل، وهي الجنوب إن شاءت أن تشكله بإرادتها وشراكتها، وهي ليست تفاصيل في أحاديث التيارات السياسية أو الجمعيات الخيرية التي تعمل فيها بالوكالة، أو في سكاكين ورصاصات الإرهاب المستورد. حضرموت ببساطة هي تلك التي لم يتم اكتشافها حتى اللحظة

.