انسحاب OMV من قطاع العقلة يشعل التحذيرات: فساد الصفقات النفطية يقود شبوة نحو “ثورة الجياع”

2026-04-12 20:50
انسحاب OMV من قطاع العقلة يشعل التحذيرات: فساد الصفقات النفطية يقود شبوة نحو “ثورة الجياع”
شبوه برس - خـاص - عتـــق

 

*- شبوة برس – أحمد شداد

اسباب ... #ثورة_الجياع القادمه في #شبوه  !!!

تحليل اقتصادي وقانوني حول النفط والغاز في شبوة وقطاع العقلة في ضوء انسحاب شركة OMV

شكّل انسحاب شركة OMV النمساوية من قطاع العقلة (S2) في شبوة نقطة تحول خطيرة في قطاع النفط والغاز اليمني، إذ أحاطت بالعملية اتهامات بفساد واسع، وصفقات بيع غامضة، وتورط شخصيات نافذة، أبرزها تهم وجهت لوزير النفط بارتكاب تجاوزات غير قانونية. كما كشفت التسريبات عن تعاقدات مع شركات غير مؤهلة فنياً، وغياب شفافية في إدارة الملف النفطي، وهو ما أسهم في خسائر اقتصادية فادحة قدرت بنحو 13 مليار دولار منذ اندلاع الحرب.

يهدف هذا التقرير إلى تقديم تحليل متكامل الأبعاد يغطي الجوانب الاقتصادية والقانونية لأزمة قطاع العقلة، مع استعراض تداعيات انسحاب OMV، وفضح ممارسات الفساد في الصفقات النفطية، واقتراح توصيات عملية لحماية الثروة الوطنية.

أولاً: مقدمة في الأهمية الاستراتيجية لشبوة وقطاع العقلة

تُعد محافظة شبوة من أغنى مناطق اليمن بموارد النفط والغاز، حيث تضم أكثر من 16 قطاعاً استكشافياً نفطياً باحتياطيات عالية. ويحظى قطاع العقلة (S2) بأهمية خاصة، إذ اكتُشف النفط فيه عام 2006 من قبل شركة OMV، بتقدير حجم النفط المثبت القابل للاستخراج بين 50 و173 مليون برميل. ورغم أن الإنتاج الأقصى في القطاع لم يتجاوز 15 ألف برميل يومياً قبل الحرب، إلا أن أي قطاع نفطي في ظل الظروف الراهنة يشكل شريان حياة للاقتصاد اليمني المنهار.

ثانياً: الخلفية الاقتصادية – أزمة النفط اليمنية في سياقها العام

يمر قطاع النفط اليمني بأسوأ مراحله التاريخية. فقد بلغ الإنتاج اليمني ذروته عام 2007 عند 450 ألف برميل يومياً، لكنه تراجع إلى 60 ألف برميل فقط حالياً، نتيجة الحرب المستمرة لأكثر من عشر سنوات. وتوقف تصدير النفط الخام تماماً منذ أكتوبر 2022 إثر استهداف الحوثيين لموانئ التصدير في النشيمة (شبوة) والضبة (حضرموت) بطائرات مسيّرة. وقد أدى ذلك إلى خسائر مباشرة تقدر بنحو 80 ألف برميل يومياً بقيمة 6 ملايين دولار يومياً.

وفي هذا السياق الأكثر قتامة، يأتي انسحاب شركة دولية مثل OMV ليشكل ضربة موجعة للقطاع الذي يعاني أصلاً من التراجع. غير أن الجانب الأخطر ليس مجرد الانسحاب، بل الطريقة التي تم بها، وما أحاط بها من صفقات غامضة وممارسات فساد.

ثالثاً: تفاصيل انسحاب OMV – التسلسل الزمني والصفقات المثيرة للشبهات

1. مسار الانسحاب والصفقات المثيرة للجدل

بدأت بوادر انسحاب OMV في الظهور منذ عام 2022، عندما شرعت الشركة في خطط للاستغناء التدريجي عن موظفيها. وبحلول عام 2024، وصل عدد المفصولين إلى قرابة 300 موظف دون مراعاة حقوقهم. وفي يناير 2025، صدرت وثيقة رسمية توجه وزارة النفط نحو التعاقد مع مشغل جديد لقطاع العقلة، وهو ما أثار تساؤلات واسعة.

في عام 2023، استحوذت شركة "زينيث" الهولندية على أصول OMV في صفقة قُدرت قيمتها بـ21.6 مليون دولار، لكن الرأي العام شن هجوماً لاذعاً على الحكومة بسبب إيكال تشغيل قطاع العقلة إلى شركة وُصفت بأنها غير مؤهلة فنياً، لتعلن "زينيث" لاحقاً انسحابها من الصفقة بسبب "عدم استيفاء شروط الإتمام".

في 30 أبريل 2025، أعلنت OMV رسمياً إنهاء عملياتها في قطاع العقلة وتسريح كافة موظفيها اليمنيين بحلول 31 مايو 2025. وأرجع بيان الشركة ذلك إلى استمرار توقف تصدير النفط منذ أكتوبر 2022 وغياب الإيرادات.

2. دور شركة "بلو سكاي" – فضيحة الفساد الجديدة

كشفت التسريبات أن شركة "بلو سكاي" (Blue Sky) تم تعيينها كمشغل جديد لقطاع العقلة في صفقة أحاطت بها اتهامات واسعة بالفساد. وبحسب مصادر إعلامية، فإن الشركة مرتبطة بشخصيات نافذة، أبرزها نجل رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، فيما وصفت تقارير مستقلة عملية التعيين بأنها "صفقة فساد كبيرة".

وأثار تعيين "بلو سكاي" تساؤلات مشروعة حول قدرتها الفنية والتقنية على إدارة قطاع نفطي بهذه الأهمية، في وقت تفتقر فيه معظم الشركات المحلية إلى الخبرات اللازمة لتشغيل مثل هذه المنشآت الحيوية.

3. اتهامات مباشرة لوزير النفط

في تطور خطير، فجّرت شركة OMV اتهامات مباشرة ضد وزير النفط في حكومة عدن سعيد الشماسي، متهمة إياه بارتكاب "تجاوزات غير قانونية". وتأتي هذه الاتهامات ضمن سلسلة قضايا جدلية مرتبطة بالشركة النمساوية، مما يضع الوزارة موضع تساؤلات حول نزاهة إدارتها للملف النفطي.

رابعاً: التحليل القانوني

1. الإطار القانوني لعقود النفط والغاز في اليمن

تخضع عمليات الاستكشاف والإنتاج النفطي في اليمن لاتفاقيات مشاركة الإنتاج (PSA) التي تبرم بين وزارة النفط والشركات المستثمرة. وقد منحت PSA لشركة OMV الحق في استكشاف وإنتاج النفط والغاز في المربع S2 والمربع 4. وتُعد هذه الاتفاقيات موقعة بموجب القانون اليمني رقم (81) لسنة 2013م بشأن الهيدروكربونات، الذي ينظم ملكية الاحتياطيات وإدارة الثروة النفطية.

2. الجوانب القانونية الإشكالية في صفقة الانسحاب

تثير صفقة انسحاب OMV إشكاليات قانونية خطيرة:

أولاً: انتهاك حقوق العمال. قامت الشركة بفصل قرابة 300 موظف دون مراعاة حقوقهم التعاقدية والقانونية، رغم مطالبات وزارة النفط للشركة بدعم الموظفين المحليين وإبقائهم على رأس عملهم. وهذا يشكل انتهاكاً صريحاً لاتفاقيات التشغيل والقوانين المحلية والدولية.

ثانياً: غياب الشفافية في التعاقد مع المشغل الجديد. لم يتم الكشف عن آلية اختيار شركة "بلو سكاي"، ولا عن الشروط المالية والفنية للعقد، مما يخالف مبادئ النزاهة والشفافية التي توجبها القوانين اليمنية في إبرام العقود الحكومية.

ثالثاً: تورط مسؤولين حكوميين. اتهام وزير النفط بارتكاب تجاوزات غير قانونية، إذا ثبت، يشكل جريمة فساد تستوجب المساءلة القانونية والتحقيق العاجل.

3. غياب الرقابة والمساءلة

أصبحت ممارسات الفساد في قطاع النفط اليمني تمثل "نموذجاً صارخاً لانعدام الرقابة والمساءلة". وقد فتح غياب سيطرة الدولة الباب أمام شبكات فساد متكاملة، تضم قيادات قبلية مؤثرة ومتعاونين جنوبيين يعملون بأسماء وشركات وهمية، بالشراكة مع شركات نفط دولية استغلت غياب الرقابة لتحقيق أرباح سريعة بأقل التكاليف.

خامساً: التحليل الاقتصادي

1. الأضرار الاقتصادية المباشرة

خسر اليمن وفق تقارير اقتصادية نحو 13 مليار دولار من عائدات النفط والغاز منذ اشتعال الحرب في مطلع عام 2015. وقد أدى انسحاب OMV إلى:

· توقف فوري للإنتاج من قطاع العقلة، الذي كان ينتج نحو 10 آلاف برميل يومياً قبل الانسحاب.

· تسريح كافة الموظفين اليمنيين، مما زاد من أزمة البطالة وفقدان المصدر الوحيد للدخل لعائلات كثيرة.

· تفاقم أزمة الكهرباء في عدن والمحافظات المحررة، بعد توجيه إنتاج القطاع لتشغيل محطة الكهرباء الرئيسية.

2. الآثار الاقتصادية غير المباشرة

لا تقتصر الأضرار على الخسائر المباشرة فحسب، بل تمتد إلى آثار مدمرة على المدى الطويل:

· فقدان الثقة في مناخ الاستثمار. انسحاب شركة دولية بهذه الطريقة يرسل إشارات سلبية للمستثمرين الأجانب، خاصة مع وجود اتهامات بالفساد.

· تكريس ثقافة الفساد. الصفقات الغامضة التي تجري خارج أي أطر قانونية شفافة تعزز من نفوذ شبكات الفساد وتجعل الاقتصاد اليمني رهينة لمصالح ضيقة.

· إهدار الثروة الوطنية. تنتج شركات ضعيفة وغير مؤهلة تفتقر إلى التكنولوجيا والخبرات اللازمة، مما يعني استخراجاً غير أمثل للموارد وتدميراً للمكامن النفطية على المدى الطويل.

3. الفساد كأداة للسيطرة على الموارد

تشير تقارير اقتصادية إلى أن إيرادات النفط اليمنية، التي كانت تصل إلى 48 مليون دولار شهرياً، كانت تودع في حساب جاري بالبنك الأهلي التجاري في الرياض بدلاً من البنك المركزي اليمني في عدن. هذا النمط من التلاعب المالي يعكس ضعفاً مؤسسياً كبيراً وغياباً للحوكمة الرشيدة.

كما كشفت تحقيقات صحفية أن شبكات الفساد في شبوة استطاعت بيع حصص نفطية بأعلى الأثمان، وتقاسم الأرباح على حساب المواطن اليمني. وقد أدى هذا الفساد الممنهج إلى تحويل ثروة شبوة من "فرصة للتنمية إلى نقمة".

سادساً: التداعيات الجيوسياسية

لا يمكن فهم ملف النفط في شبوة دون النظر إلى البعد الجيوسياسي. فقد كشفت تقارير بحثية يمنية عن تحركات مكثفة منذ مطلع 2025 باتجاه قطاع النفط والغاز في شبوة، في محاولة لفرض واقع جديد على المناطق الغنية بالثروات الباطنية. واتهمت تلك التقارير الإمارات بالوقوف وراء مؤامرات لنهب الثروة النفطية اليمنية، من خلال شركات وهمية مملوكة كلياً أو جزئياً لأبوظبي.

وفي يوليو 2025، اتهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي الإمارات بتهريب نفط شبوة، مما يعكس عمق الخلافات بين الأطراف المتنفذة حول السيطرة على الثروة النفطية.

سابعاً: التوصيات

على المستوى القانوني

1. فتح تحقيق عاجل وشفاف في صفقة انسحاب OMV وتعاقدات "بلو سكاي"، مع إحالة المتورطين إلى النيابة العامة.

2. إلغاء أي عقود غير قانونية مع شركات غير مؤهلة فنياً، وإعادة طرح القطاع للاستثمار عبر مناقصة علنية وشفافة.

3. تفعيل دور هيئة مكافحة الفساد لمراقبة قطاع النفط، وتعزيز آليات المساءلة والرقابة.

على المستوى الاقتصادي

1. توحيد الجهود لاستئناف تصدير النفط من الموانئ المتاحة، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة.

2. إنشاء صندوق سيادي لاستثمار عائدات النفط والغاز يضمن الشفافية ويحمي حقوق الأجيال القادمة.

3. تعزيز قدرات المؤسسة العامة للنفط والغاز لتتمكن من إدارة القطاع بكفاءة واقتدار.

على المستوى السياسي

1. إبعاد الملف النفطي عن التجاذبات السياسية والعسكرية، واعتباره ثروة وطنية لا تقبل المساومة.

2. إشراك المجالس المحلية والمجتمع المدني في مراقبة إدارة الثروة النفطية، لضمان الشفافية والمحاسبة.

ثامناً: الخاتمة

إن انسحاب شركة OMV من قطاع العقلة في شبوة ليس مجرد قصة فشل شركة دولية في بيئة غير مستقرة، بل هو جرس إنذار يدق ليكشف عن أعمق مأساة تواجه اليمن اليوم: تحول ثروته النفطية من مصدر قوة وازدهار إلى بؤرة فساد ونهب منظم. فما يجري في شبوة ليس استثناءً بقدر ما هو نموذج مصغر لواقع مرير يسود قطاع النفط اليمني برمته، حيث ينهب الفاسدون عائدات النفط ويستنزفون مستقبل البلاد.

تتطلب هذه الأزمة تدخلاً عاجلاً وحاسماً: تحقيقاً قضائياً مستقلاً، ومحاسبة المتورطين، وإصلاحاً مؤسسياً جذرياً يعيد الثقة في إدارة الثروة الوطنية. وإلا فإن اليمن سيظل أسير دوامة الفساد، حيث تذهب ريوع النفط إلى جيوب النخب الفاسدة، بينما يعاني المواطنون أزمة اقتصادية خانقة، وتتحول شبوة من رمز للثروة إلى نموذج مأساوي لكيفية تبديد مستقبل أمة بأكملها. الوقت ينفد، والخيار بين الإصلاح الجاد واستمرار النهب بات محسوماً، وتبعاته ستحدد مسار اليمن الاقتصادي لعقود قادمة.

المراجع

1. مركز هنا عدن للدراسات الاستراتيجية، "فضائح وتفاصيل صادمة عن فساد ونهب"، 2025

2. بقش، "ملف شركة OMV النمساوية في اليمن"، 10 مارس 2025

3. العربي الجديد، "اليمن يتسلم إدارة قطاع العقلة النفطي بعد انسحاب الشركة النمساوية"، 24 مايو 2025

4. وكالة يمن برس، "Aden government plans to sell most important oil sector in Shabwa"، 15 أكتوبر 2024

5. يمن مونيتور، "Committees Formed to Take Over Al-Oqla Oil Sector in Shabwah"، 31 مايو 2025

6. باران برس، "Yemeni Government Forms Committee to Take Over Key Oil Field"، 6 مايو 2025

7. وطن، "Yemeni Research Center Exposes Corruption and UAE's Role in Plundering Oil Wealth"، 27 يناير 2025

8. الطاقة، "أبرز حقول النفط في اليمن"، 17 مارس 2025

9. وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، "الإعلان عن الاكتشاف النفطي التجاري بقطاع العقلة"، يناير 2006

10. يمن شباب نت، "شركة OMV النمساوية تنهي عملياتها في قطاع العقلة"، 1 مايو 2025

11. شبوة برس، "بلو سكاي التابعة لعبدالحافظ العليمي تستولي على قطاع S2"، 14 مايو 2025

12. المحقق، "شركة جديدة تستحوذ على أهم القطاعات النفطية في شبوة"، 22 يناير 2025