مقدمة: جاسوس أُعدم ومهمة لم تكتمل
*- شبوة برس – المدونة على إكس : "نادين"
في 18 مايو/أيار 1965، هزّت دمشق حادثة إعدام علني في ساحة المرجة. كان المشنوق رجلاً يدعى إيلي كوهين، اليهودي السوري المولد الذي تسلل إلى أعلى دوائر السلطة السورية متخفياً باسم "كامل أمين ثابت" . كانت تهمته التجسس لصالح إسرائيل، وكان حبل المشنقة نهاية درامية لمهمة استمرت ثلاث سنوات كادت أن تمنح إسرائيل مفاتيح سوريا.
بعد ستين عاماً من إعدام كوهين، وتحديداً في أواخر عام 2024، سقط نظام بشار الأسد في غضون اثني عشر يوماً فقط . وعلى رأس السلطة الجديدة في دمشق رجل كان يُعرف بأبي محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام المصنفة سابقاً كتنظيم إرهابي. المفارقة أن رفات إيلي كوهين عادت إلى الواجهة بعد سقوط النظام، حيث كشفت تقارير عن مساعٍ لإعادتها إلى إسرائيل كبادرة حسن نوايا .
هذه الورقة تبحث في السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل يمكن قراءة مسار أحمد الشرع (الجولاني) كاستكمال للمهمة التي بدأها إيلي كوهين قبل ستة عقود؟ وهل نعيش اليوم لحظة انتصار الموساد الصامت في سوريا؟
الجزء الأول: إيلي كوهين - الجاسوس الذي كاد يهدي إسرائيل سوريا
النشأة والتسلل: كيف يصنع الموساد جواسيسه
وُلد إيلي كوهين في الإسكندرية عام 1924 لعائلة يهودية من أصل حَلَبي. نشأ في بيئة عربية، وأتقن العربية بطلاقة، ودرس الهندسة في جامعة الملك فاروق . هذه الخلفية جعلت منه مادة خام مثالية للتجنيد. بعد هجرته إلى إسرائيل عام 1957، التحق بالموساد وخضع لتدريبات مكثفة شملت استخدام الأسلحة والتشفير والبث اللاسلكي وأساليب التخفي .
في عام 1961، انطلق كوهين في مهمته متخفياً باسم "كامل أمين ثابت"، رجل أعمال سوري يعود من الأرجنتين بدافع حب الوطن. في بوينس آيرس، بنى سمعة كواحد من أبرز رجال الجالية السورية، يقيم الحفلات الفاخرة ويبني علاقات وثيقة مع الدبلوماسيين السوريين .
المهام التي نفذها في دمشق
عند وصوله إلى دمشق في يناير/كانون الثاني 1962، لم يضيّع كوهين وقتاً. خلال أقل من شهرين، بدأت أولى رسائله المشفرة تصل إلى تل أبيب. المهام التي نفذها كانت استثنائية:
أولاً: اختراق دوائر صنع القرار. أقام كوهين علاقات وثيقة مع كبار الضباط والمسؤولين في حزب البعث، حتى أن بعض المصادر تشير إلى ترشيحه لمنصب نائب وزير الدفاع . كان ضيوفه الدائمين من أرفع المسؤولين العسكريين والأمنيين.
ثانياً: جمع معلومات عسكرية استراتيجية. في سبتمبر/أيلول 1962، صحبه أحد أصدقائه الضباط في جولة داخل التحصينات الدفاعية في مرتفعات الجولان. باستخدام ساعة يد مزودة بكاميرا دقيقة، صوّر كوهين جميع التحصينات السورية . هذه الصور مكنت إسرائيل لاحقاً من احتلال الجولان بسهولة نسبية في حرب 1967.
ثالثاً: اختيار موقع استراتيجي للتجسس. استأجر كوهين شقة تطل مباشرة على هيئة الأركان العامة السورية، مما مكنه من رصد التحركات العسكرية بدقة ونقل تقارير فورية .
رابعاً: جمع معلومات عن التسليح السوري. كان الضباط السوريون يتحدثون بحرية مع "الوطني" كامل أمين ثابت عن طائرات الميغ والسوخوي، والغواصات الجديدة، والفرق بين الدبابات ت-54 وت-55 .