شبوة برس – خاص
سقوط قتلى وجرحى في مظاهرة سلمية بمدينة عتق ليس حادثة عابرة يمكن طيّها ببيان مقتضب أو تبرير أمني مرتبك. الدم الذي أُريق يفرض سؤالاً مباشراً: من الذي أمر بإطلاق النار؟ ومن نفّذ؟ ومن يتحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذه المأساة؟
كان بالإمكان احتواء الفعالية بالحكمة وضبط النفس. كان واضحاً أن المظاهرة سلمية وستنتهي خلال ساعات، وكان يمكن تنظيمها وتأمينها حتى يعود الناس إلى منازلهم بسلام. لكن خيار القوة غلب خيار التعقّل، فتحولت مهمة حفظ النظام إلى مشهد دموي عمّق الجراح في جسد المحافظة.
عندما يخرج المواطنون في تظاهرة سلمية فإنهم يمارسون حقاً أصيلاً في التعبير. في المقابل تمثل قوات الأمن سلطة الدولة، وتحمل وحدها سلاح الضبط والإكراه. هذا التفاوت الجوهري في موازين القوى يجعل مسؤولية الصدام تقع بالدرجة الأولى على من بيده السلاح، لا على من بيده مطلب.
التفاوت في الإمكانيات يخلق تفاوتاً في المسؤولية. المتظاهر أعزل في الأصل، وأقصى ما قد يحمله حجر أو لافتة. أما الطرف الآخر فيمتلك السلاح الناري والغاز والهراوات والآليات. حين يحدث صدام في ظل هذا الخلل الواضح، يصبح السؤال: لماذا تتحول إدارة احتجاج إلى عملية إطلاق نار؟ وأين ذهبت معايير التناسب والضرورة والتدرج في استخدام القوة؟
واجب قوات الأمن هو الحماية لا المواجهة. القانون يمنحها حق استخدام القوة ضمن ضوابط صارمة، وأي إفراط في استخدامها لا يحمي الأمن بل يفتح باب الفوضى. وعندما تتحول التظاهرة إلى اشتباك، فذلك يكشف خللاً في إدارة الموقف قبل أن يكون خطأ من خرج يطالب بحقه.
الأخطر أن غياب المحاسبة يحوّل العنف إلى أداة أولى لا خياراً أخيراً. حين يشعر حامل السلاح أنه بمنأى عن المساءلة، يصبح ضغط الزناد أسهل من فتح باب الحوار. وهنا تتسع دائرة المسؤولية لتشمل كل من يغطي أو يبرر أو يتستر، لا من أطلق النار فقط.
أما عن المستفيد مما جرى، فهناك من سيحاول استثمار الحدث لإعادة تمكين قوى سياسية بعينها داخل شبوة، تحت لافتة الفشل الأمني وسوء إدارة الأزمة. وسيُسوّق ما حدث كعجز يستدعي إعادة ترتيب المشهد سياسياً وعسكرياً وأمنياً، بما يخدم مشاريع قديمة تتربص بالجنوب.
لقد دعا كثيرون إلى التعامل بحكمة مع المتظاهرين، وتأمينهم بدلاً من التضييق عليهم، حمايةً للمحافظة وسلطتها وأبنائها. لكن حسابات الإحراج السياسي غلبت صوت العقل، فكانت الخسارة مضاعفة.
شبوة اليوم أمام اختبار حقيقي. إما فتح تحقيق شفاف ومستقل يحدد المسؤوليات بدقة ويضع الجميع أمام المساءلة، أو ترك الدم يتحول إلى وقود لصراعات جديدة. من يملك السلاح يملك قرار التهدئة والتصعيد، ومن يملك القرار يملك المسؤولية. والقاعدة التي يجب أن تبقى ثابتة أن حياة الإنسان وحقه في التعبير السلمي فوق كل اعتبار، وأن دماء أبناء عتق ليست ورقة في لعبة السياسة.