صرخة الجنوب: حين تختل الموازين وتأتي لحظة استعادة الصوت المفقود

2026-02-12 22:19

 

بلغ المشهد حداً لا يمكن السكوت عنه؛ إذ تُدار مساحة الجنوب الواسعة، الممتدة على نحو 360 ألف كيلومتر مربع، بقرار ونفوذ قوى لا تمثل إلا نطاقاً جغرافياً محدوداً في الشمال، لا يتجاوز بضع مديريات متفرقة. إنها مفارقة صارخة في ميزان العدالة، واختلال واضح في معادلة الشراكة والتمثيل.

 

كيف يمكن لأرض بهذا الاتساع، بما تحمله من تاريخ عريق، ومدن نابضة، وثروات وإمكانات، أن تُختزل إرادتها في قوى لا تعكس تنوعها ولا تمثل ثقلها السكاني والسياسي؟ وأي منطق يقبل أن تُدار شؤون شعب كامل بمعادلة تفتقر إلى التوازن والتكافؤ؟

 

إن ما يشعر به أبناء الجنوب اليوم ليس مجرد تذمر سياسي عابر، بل إحساس عميق بالتهميش، وبأن حقوقهم في إدارة شؤونهم وصياغة مستقبلهم تُدار بعيداً عن إرادتهم. وهي قضية لا تتعلق بصراع نفوذ، بقدر ما تتعلق بمبدأ أساسي كفلته الشرائع والمواثيق الدولية.. حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي أن تكون شريكاً حقيقياً في القرار، لا تابعاً في الهامش.

 

إن الصمت على اختلال بهذا الحجم لا يصنع استقراراً، بل يراكم الاحتقان، والتغاضي عن غياب العدالة لا يعزز الشراكة، بل يضعفها. فالعدل وحده هو الضامن لأي صيغة سياسية قابلة للاستمرار.

 

أيها الأحرار… إن المرحلة تقتضي وعياً جماعياً مسؤولاً، وحراكاً شعبياً سلمياً يطالب بتصحيح المسار، وإعادة الاعتبار لمبدأ التوازن والشراكة الحقيقية، واستعادة الحقوق عبر الوسائل المشروعة التي تحفظ كرامة الناس وتصون السلم المجتمعي.

 

لقد جرت محاولات عديدة لتشويه صورة المطالب الجنوبية، عبر حملات إعلامية منظمة، وأقلام مأجورة، ومنصات تسعى لخلط الأوراق وإثارة الانقسام. سعت تلك الحملات إلى تصوير الجنوب وكأنه حكر على فئة، أو اختزاله في توصيفات ضيقة تخدم أجندات سياسية.

 

لكن الحقيقة أثبتت نفسها على الأرض: الجنوب بتاريخه وجغرافيته وإنسانه أكبر من أن يُختزل، وأوسع من أن يُصادر صوته. لقد خرجت الجماهير في أكثر من مناسبة، لا بدافع الانفعال، بل تعبيراً عن وعي متراكم، وعن قناعة بأن الأرض لا يمكن أن تُدار بمنطق الإقصاء أو التفويض غير المتكافئ.

 

كان المشهد رسالة واضحة.. إن الجنوب ليس مشروعاً لفئة، بل وطناً لكل أبنائه، وكرامةً جماعية لا تقبل التجزئة. واليوم، تقال الكلمة بثقة.. إن إرادة الشعوب قد تتأخر، لكنها لا تموت. والأرض تبقى لأهلها، والحقوق لا تسقط بالتقادم، والعدالة مهما غابت تعود حين يصر الناس عليها.

 

سيبقى الجنوب لأبنائه جميعاً، بهويته العربية، وتعدديته المجتمعية، ووحدته الداخلية القائمة على الشراكة والاحترام المتبادل، أما كل معادلة لا تقوم على العدل، فمصيرها إلى الزوال، مهما طال الزمن.

 

يبقي الجنوب كما عهدناه حراً أبياً شامخاً لا ينكسر.. 

 

   ✍️  ناصر العبيدي