في لحظة دولية مضطربة تعاد فيها صياغة المسلّمات القديمة، يفتح الكاتب والمحلل الأمريكي ستيفن أ. كوك، الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، نافذة أمل جديدة أمام القضايا التي طال تهميشها باسم “قدسية الحدود”. ففي مقال تحليلي نشرته مجلة فورين بوليسي، ورصده وتابعه محرر شبوة برس، يطرح كوك سؤالًا جريئًا: هل يمكن أن يكون تغيير الحدود، في بعض الحالات، خيارًا أفضل للاستقرار بدل التمسك بخرائط فشلت تاريخيًا في إنتاج دول آمنة ومزدهرة؟
ينطلق كوك من واقع دولي يشهد تصدعات غير مسبوقة، حيث لم تعد وحدة الدول مبدأً ثابتًا، بل أداة تخضع لحسابات المصالح والاستقرار. وضمن هذا السياق، يبرز الجنوب العربي كحالة لافتة، لا بوصفه مشروعًا عاطفيًا أو طارئًا، بل ككيان محتمل أكثر انسجامًا مع معادلات الأمن الإقليمي. فبرأيه، قيام دولة جنوبية مستقلة بحدود واضحة قد يشكل عامل استقرار في شبه الجزيرة العربية، ويحد من نفوذ إيران، ويضعف قدرات الحوثيين، ويؤمن الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر.
ولاحظ محرر "شبوة برس" أن هذا الطرح، وإن صيغ من زاوية المصالح الأمريكية، يحمل بين سطوره اعترافًا مهمًا طال انتظاره، وهو أن “اليمن الموحد” لم يكن يومًا نموذجًا ناجحًا للاستقرار أو الدولة القادرة، وأن الإصرار على الإبقاء عليه لم يحقق سوى المزيد من الفوضى. هنا، لا يعود الجنوب العربي عبئًا على الإقليم، بل يتحول في الخطاب الدولي إلى جزء من الحل، لا المشكلة.
ويمتد هذا المنطق إلى نماذج أخرى كأرض الصومال، التي يصفها كوك كدولة قائمة بحكم الأمر الواقع، تمتلك مؤسسات وانتخابات وأمنًا نسبيًا، ما يعزز فكرة أن الاستقلال حين يكون منظمًا ومدعومًا بإرادة شعبية، قد يكون أقل كلفة وأكثر استدامة من وحدات مفروضة بالقوة.
في المقابل، يوضح الكاتب أن لكل حالة خصوصيتها، مستثنيًا سوريا حيث ترى واشنطن أن الحفاظ على وحدة الدولة يخدم مصالحها، في تأكيد واضح على أن معيار الحدود لم يعد أخلاقيًا أو قانونيًا بحتًا، بل سياسيًا براغماتيًا.
بالنسبة للجنوبيين، لا تكمن أهمية هذا المقال في كونه وعدًا دوليًا جاهزًا، بل في كسره لحاجز الصمت، واعترافه الصريح بأن حقائق التاريخ والجغرافيا لا يمكن تجاهلها إلى الأبد. إنه مؤشر على تحول بطيء لكنه عميق في طريقة نظر مراكز القرار الغربية إلى القضية الجنوبية، ويمنح أبناء الجنوب سببًا واقعيًا للأمل، بأن قضيتهم العادلة لم تعد خارج النقاش الدولي، بل باتت جزءًا من أسئلته الكبرى حول الاستقرار والمستقبل.