تاريخ الجنوب.. بين النسيان والتناسي

2018-03-22 10:24
تاريخ الجنوب.. بين النسيان والتناسي

مازن الشحيري

 

أرض الجنوب التي أسماها الكاتب البريطاني ديفيد ليدجر "الرمال المتحركة"، وذلك حسب وجهة نظره بأن شعب الجنوب يشبه الرمال المتحركة التي تمتاز بها أرض الجنوب، وذلك لصعوبة السيطرة على هذا الشعب رغم كل ما قامت به بريطانيا آنذاك من محاولات لكسب سلاطين ومشايخ الجنوب لصفها في ذلك الوقت لإفشال وإخماد أي ثورة.

 

ورغم أن الكاتب اعتبر أن زعماء الجنوب في ذلك الحين عبارة عن همج ومتخلفين لكن كانوا ذا بأس شديد وصعاب المراس، إضافة إلى أن القبائل التي تتكون منها مناطقهم أيضا لا تخضع لهم بشكل كامل بل هناك قوانين قبلية تنظم العلاقة بينهم وبين سلاطين ومشايخ الجنوب متعارف عليها منذ الأزل وليس كما هو متعارف عليه في المملكات والسلطنات والإمارات المختلفة في الجزيرة العربية وحتى في النظام الإمامي في شمال اليمن حينها.. حيث يكون الحاكم هو الآمر الناهي للكل ولا سلطة تعلو فوق سلطته، مما يسهل السيطرة عليها مقارنة بما هو حاصل في الجنوب.

 

ويسرد الكاتب الكثير من تفاصيل الحياة في الجنوب والمراحل التي سبقت استقلال الجنوب بحسب شهادته لكونه كان شاهد عيان وضابطا في الجيش البريطانى بعدن في ذلك الوقت، ويحاول ذم الجنوب وشعبه وتجميل صورة بريطانيا لكنه يمدح هذا الشعب من حيث لا يعلم، فهو يعترف بشكل أو بآخر أن هذا الشعب لا يخضع ولا يستسلم مهما كانت العوامل والظروف، ومهما استمالت بريطانيا الخونة منه ومهما حاولت أن تفرق بينهم، فقد تنجح لفترة معينة لكن سرعان ما سينتهى ما عملته وتبتلعه رمال الجنوب المتحركة، فشعب الجنوب عصي ولا يقبل الذل مهما كانت هناك من خلافات وانقسامات بينهم ومهما كان هناك من خونة بينهم، ومهما كانت القوة التي تحتلهم حتى وإن كانت دولة عظمى وأمبراطورية لا تغيب عنها الشمس مثل بريطانيا، فهناك عامل مشترك يجمع هذا الشعب لأنه شعب حر لا يقبل الذل ولا يقبل الاحتلال مهما كانت إمكانياته معدومة، فهو لا يقدس الزعماء مهما كانت مكانتهم إذا تعارض ذلك مع حريتهم وكرامتهم.

 

فشعب الجنوب بحسب الكاتب البريطاني شعب يشبه تضاريس بلاده المترامية الأطراف، فهو مثل جبالها السود الشاهقة صلب، ومثل صحاريها الشاسعة قاس، ومثل بحارها الممتدة أزلي لا ينضب.. وهنا أذكر قصة تم ذكرها في أغلب كتب المؤرخين في بداية احتلال بريطانيا لعدن عندما تم مواجهتم حتى بالخناجر من قبل المدافعين عن عدن رغم امتلاك الغزاة اعتى الأسلحة في العالم، مستشهدين بشجاعة منقطع النظير لرجال الجنوب الذين تصدوا للغزو البريطاني.

 

وهنا نحن نسلط الضوء على هذا الجزء من التاريخ للتعريف بما يمتاز به هذا الشعب بشهادة المحتلين والأعداء قبل الأصدقاء حتى تعرف أجيالنا القادمة تاريخ أجدادها الذي يحاول البعض طمسه وتدمير تراثه بتدمير كل ما يدل على عراقة هذا الشعب، والتي منها القلاع والحصون المنشرة بجبال عدن التي يحاول البعض نسبها لبريطانيا التي قامت فقط بترميمها كما رممت الصهاريج أيضا التي يعود تاريخها كما يذكر بعض المورخين إلى 5 آلاف سنة قبل الميلاد مثلها مثل القلاع التي تعود لآلاف السنين والمساجد المنتشرة في عدن وأشهرها مسجد أبان بن عثمان بن عفان الذي بناه في عدن وتم تدميره من قبل نظام صنعاء والذي عمره يتجاوز 1300 سنة، ومثله مسجد العيدروس الذي عمره 900 سنة ومسجد الشيح أحمد العراقب بمدينة التواهي الذي عمره 700 سنة وغيرها الكثير من تاريخ هذا الشعب ليس في عدن فقط بل على طول وعرض البلاد التي لا يتسع المجال لذكرها كلها هنا، والتي تدل على حضارة عريقة لهذا الشعب الذي بعون الله سوف نطلق حملة عبر صحيفة «الأيام» لكل المثقفين والأدباء والدكاترة وأساتذة التاريخ في الجنوب لجمع التاريخ لهذا الشعب العريق بكل مراحله بشكل أكاديمي وحفظه من عبث العابثين.

 

التاريخ المذكور في مئات الكتب التاريخية القديمة والحديثة وفي المئات من كتب المستشرقين الغربيين، وفي كتب الدين الإسلامي الحنيف عن طريق عشرات الأحاديث النبوية وكذا في الكتب السماوية السابقة مثل التوراة التي ذكرت فيها عدن وقلعة صيرة كما ذكرها الرئيس الأسبق علي ناصر محمد فى كتابه عن عدن.

 

تاريخ شعب حمير وعاد وثمود شعب قحطان شعب الجنوب الممتد من المهرة إلى باب المندب، شعب الجنوب الحر على مر العصور الذي استعصى على كل الإمبراطوريات على مر التاريخ.