إذا خرج الحوار في الرياض بنتيجة تدعم بقاء الوحدة دون توافق حقيقي مع الإرادة الشعبية في الجنوب، فهذه نقطة شديدة الحساسية والخطورة، لأن أي مخرجات لا تستند إلى قبول شعبي واسع ستكون فاقدة للشرعية السياسية وقابلة للرفض في أي لحظة.
المشكلة لا تكمن فقط في القرار، بل في الفجوة بين ما يُتخذ في الغرف السياسية وما يريده الناس على الأرض. وللتأكيد على ذلك، فإن الاستبيان الأولي الذي أُجري عام 2009 أظهر أن نحو 86% من أبناء الجنوب كانوا ضد استمرار الوحدة ومع إعادة الدولة الجنوبية، وهو مؤشر واضح على توجه شعبي عميق لا يمكن تجاهله أو القفز عليه.
اليوم، تزداد خطورة المشهد مع بوادر تفكك داخلي في الصف الجنوبي نفسه، حيث بدأت تظهر نزعات داخلية ذات طابع مناطقي، كما يُلاحظ في بعض الطروحات المرتبطة بحضرموت، وهو ما يعكس حالة قلق من غياب مشروع وطني جامع قادر على استيعاب كل المكونات. هذه المؤشرات، إن لم يتم التعامل معها بوعي، قد تدفع نحو انتقال الصراع إلى داخل الجنوب ذاته، وهو السيناريو الأكثر خطورة.
فعندما يغيب الإطار الجامع، تتقدم المشاريع الجزئية، وعندما تضعف الثقة في التمثيل السياسي، تبحث المناطق عن خياراتها الخاصة، وهذا ما يهدد وحدة الهدف الجنوبي ويضعف موقفه في أي مفاوضات قادمة. لذلك فإن الخطر اليوم ليس فقط في فرض خيارات من الخارج، بل أيضاً في التصدع من الداخل.
ومن هنا، فإن على الشقيقة المملكة العربية السعودية أن تضع في اعتبارها هذا الواقع الداخلي المعقد، وأن تدرك أن أي مقاربة لا تراعي التوازنات الجنوبية ولا تستند إلى قبول شعبي حقيقي قد تؤدي إلى نتائج عكسية، ليس فقط على مستوى الجنوب، بل على مستوى الاستقرار الإقليمي ككل. فنجاح أي حوار أو تسوية يتطلب التعامل مع الجنوب كحالة سياسية قائمة بذاتها، لها خصوصيتها وتعقيداتها، وليس كملف يمكن حسمه عبر ترتيبات فوقية.
التعامل المسؤول مع هذه المرحلة يقتضي دعم مسار حوار جنوبي–جنوبي حقيقي، يفضي إلى توحيد الرؤية وبناء شراكة عادلة، مع احترام الإرادة الشعبية كمرجعية أساسية لأي حل، لأن تجاهلها سيؤدي إلى واقع هش لا يمكن استدامة.. وهنا يكمن الخوف