الدولة التي نريدها

2026-04-02 07:21

 

هناك سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في معناه: كيف يمكن أن تُبنى دولة على أساس الانتقام؟

الدولة، في جوهرها، مشروع استقرار، بينما الانتقام مشروع اضطراب دائم. الدولة تنظر إلى المستقبل، أما الثأر فيظل أسير الماضي، يقتات على جراحه ويعيد إنتاجها في كل مرحلة.

ما نراه اليوم في بعض الخطابات التي تتحدث باسم الدولة المدنية يطرح مفارقة واضحة؛ إذ يُرفع شعار الحكمة والعقل في العلن، بينما تُمارَس على الأرض لغة تصنيف الناس واستفزازهم، وكأن الدولة تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات لا إلى مظلة تجمع المختلفين تحت قانون واحد.

إن تطبيع الأوضاع لا يبدأ بإثارة مشاعر الناس ولا باستفزازهم، بل بالابتعاد عن كل ما يعيد إشعال التوتر في مجتمع أنهكته الأزمات. فالشعوب التي تبحث عن الاستقرار لا تحتاج إلى خطاب يعمّق الانقسام، بل إلى رؤية تعيد الثقة بين المواطن وفكرة الدولة نفسها.

الدولة التي ننشدها لا تقوم على ردود الأفعال ولا على إرث الصراعات، بل على القدرة على فتح صفحة جديدة بعقل هادئ ومسؤولية وطنية.

إن التسليم بعهدٍ جديد لا يمكن أن يتحقق عبر تدوير أدوات الخلاف والثأر، ولا عبر إعادة إنتاج لغة الخصومة، ولا إعادة تدوير الشخوص المتنازعة على الزعامة، وكأن المجتمع محكوم عليه بعقوبة مستمرة مع سبق الإصرار والترصد. فالعهد الجديد، إذا كان صادقًا، يبدأ من تجاوز منطق العقاب الجماعي، والانتقال إلى منطق الدولة التي تصالح مجتمعها مع المستقبل، لا تلك التي تُبقيه أسير الماضي.

ولعل أخطر ما في الخطاب العنصري أنه يبدأ بكلمة وينتهي بشرخ في المجتمع. فالدولة لا تخاف من تنوع مجتمعها، بل تستمد قوتها منه. أما الإصرار على خطاب يقسم الناس ويستحضر الأحقاد، فهو في الحقيقة إضعاف لفكرة الدولة قبل أن يكون انتصارًا لأي طرف.

الحكمة السياسية ليست في عدد الخصوم الذين يمكن إسقاطهم، بل في قدرة القيادة على حماية المجتمع من الانقسام. فالدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تفعل ذلك بالانتقام، بل بإعادة ترتيب الأولويات: قانون فوق الجميع، وخطاب مسؤول، وإرادة حقيقية في بناء مؤسسات، لا في الاعتماد على خبراء إدارة الصراعات.

لهذا يصبح السؤال مشروعًا: لماذا الإصرار على خطاب يستفز الناس، إذا كنا نتحدث عن دولة محترمة؟ أليس الأولى أن يكون الخطاب السياسي جسراً يعبر بالمجتمع نحو الاستقرار، لا وقودًا يعيد إشعال الخلافات؟

المشكلة ليست في غياب الدولة، بل في استخدام اسم الدولة لتبرير ما يناقضها.

الدولة التي نتحدث عنها ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل سلوكًا يُقاس في طريقة احتواء الاختلاف، وفي احترام مشاعر الناس، وفي القدرة على طي صفحات الصراع دون أن يتحول ذلك إلى ثأر مؤجل.

وفي النهاية تبقى الحقيقة الأوضح:

الدولة لا تُبنى بالمزايدة، ولا تُدار بالانتقام الذي يلاحقنا حتى يومنا هذا، بل تُصنع بالعقل، وتترسخ بالحكمة، وتستمر حين يشعر الناس أن المستقبل فيها أوسع من الماضي.

 

علي سيقلي 

الخميس الموافق 2 أبريل 2026م