عدن.. الحالة الأمنية المضطربة بين الأسباب والنتائج

2018-05-19 14:19

 

تعدّد الأجهزة والرؤوس الأمنية في عدن - وفي كل المحافظات - يظل واحداً من العوامل المتعددة المسببة لسوء الوضع الأمني وليس العامل الوحيد كما يصور البعض، على خطورة هذا التعدد طبعاً، والذي ظللنا وما زلنا نستهجنه منذ اليوم الأول للحرب، وندعو لتفعيل المؤسسة الأمنية الرسمية ودعمها وشد عضدها ورجالها،. فبالإضافة إلى تعدد الأجهزة وتشعب هذه الرؤوس الأمنية يظل عامل كُثرة المشاريع السياسية وتصادمها ببعضها البعض في ظل غياب بالأفق أي تسوية سياسية وضبابية المشهد وقتامته الحالكة، وفي وضع علَتْ فيه المصالح الشخصية النفعية فوق كل المصالح العامة، واضطرام حالة المناكفات السياسية، وتعمُّد بعض القوى السياسية إفشال أي جهد أمني لحسابات حزبية وسياسية ونفعية هو السبب الآخر من جملة أسباب كثيرة، إن لم يكن هو السبب الرئيس.

 كما لا يمكن أن يستقيم الحديث عن استتباب الأمن في ظل إغراق المدينة- عدن- وغيرها بالسلاح بشكل مهول من قبِلِ كثير من القوى السياسية والحزبية وجماعات الإتجار به، بل وبعض القوى الإقليمية، وتوفير الملاذات الآمنة للعناصر الفوضوية بأسلحتها التي تتجاوز أحيانا الأسلحة المتوسطة، ودرّاجتها النارية «دراجات الموت»، الموت الذي يمشي على إطارات ويوزع نفسه بكل بيت ومعسكر، والتستر على أوكار تواجدها بعد أن تداخلت أجندة الكسب المالي، وإضبارة الإرهاب!

فمكافحة الجريمة عملية تكاملية منوطة بكل الأجهزة والمواطنين والقوى السياسية إن اخلِصتْ النيات وصفَتْ السرائر، وبحاجة الى المصارحة (على المكشوف) بعيدا عن أسلوب النعامة وتخييط الجروح المتعفنة قبل تنظيفها.. فالأمن - أي أمن - لا يستطيع منع الجريمة من الحدوث بقدر ما يقلل من وطأتها، فمنعها- أو الحد منها- بحاجة الى اتخاذ إجراءات مكثفة واتباع جملة من التدابير على المدييَن، القصير والبعيد، يتبناها الجميع شعبيا ورسميا. ومن هذه الإجراءات الحد من انتشار السلاح وضبط حمله وتجريم حيازته، وعملية التوعوية الشاملة بمختلف اشكال التوعوية بمخاطر انفلات السلاح من عقاله وكارثية انتشار المخدرات بكل صنوفها، وحالات الشحن والتحريض المتعدد الأغراض والخطابات الموجهة من الكل بوجه الكل.. وغيرها من مظاهر انهيار المجتمع واضمحلال الدولة الذي نمضي إليه دون اكتراث. بالإضافة إلى إظهار أهمية استتباب الأمن لمصلحة الجميع، وتبيان أن غيابه مصيبة فوق رؤوس الكل بمَن فيهم من يعتمد تغييبه وإفشال جهود رجاله الشجعان.. وقبل هذا وذاك تفعيل دور القضاء وتحريره من سطوة السياسة وهيمنة الولاءات الضيقة والمزاجية التي تتحكم به من عواصم إقليمية.

فما يجري بالساحة الجنوبية اليوم وفي عدن على وجه الخصوص من انفلات أمني وتصاعد لظواهر خطيرة تتراوح بين القتل والسرقات والاحتيال والبسط على الأملاك، وانتشار ظاهرة تعاطي المخدرات وعقاقير الهلوسة بين الشباب، والتسيب المخزي الذي يعتري المجال التعليمي بكل مراحله التعليمية دون أن تهتز لنا شعرة، وانتشار ظواهر مشينة مثل حمل السلاح أمام سمع وبصر أجهزة الدولة، أو بالأصح ما تبقى من الدولة.. كل هذا العبث وهذا الانحدار ولّدَ وضعا بائسا كهذا الذي نعيشه، وضع يجب ألّا يثير اندهاشنا أبدا إذا ما نظرنا الى وضع اللادولة الذي نعشيه وإلى حالة اللامبالاة، واستشراء الفساد الذي بلغ مبلغا لا سابق له بكل المجالات بما فيه الفساد السياسي المتغول بشدة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، ناهيك عن غياب مؤسسات الدولة بفعل فاعل بعد أن باتَ الجنوب ساحة مفتوحة تنازعه عدة مشاريع وقوى داخلية وخارجية متصادمة، وبالتالي فلا غرو أن تصل الحالة الأمنية إلى هذا المآل من التردي كمرآة عاكسة لوضع عام متردٍّ.

وعلى ما تقدم نستنتج أن سوء الحالة الأمنية ما هو إلا نتيجة وأعراض لأسباب وأمراض عديدة تستبد بجسد الوطن، أشرنا إلى بعضها سلفا.. وبالتالي يكون من المنطقي، ووفق المفهوم الطبي، معالجة أسباب المرض لتزول أعراضه... فزوال النتائج مرهونٌ بزوالِ الأسباب.

كتب/ صلاح السقلدي