اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل على المحك.
*- شبوة برس – العرب القاهرة
صعّدت إسرائيل وتيرة الاتهامات التي توجهها إلى مصر بشأن التواجد العسكري الكثيف في سيناء، وقالت إنه يمثل انتهاكا لاتفاقية كامب ديفيد للسلام، في وقت تتزايد فيه التوترات بين البلدين في ظل رفض القاهرة تهجير الفلسطينيين، وجمود المفاوضات التي كان يتم التعويل عليها للوصول إلى هدنة في قطاع غزة، ما يشي بأن العلاقات بين مصر وإسرائيل مرشحة للمزيد من التعقيدات في الأيام المقبلة، وأن اتفاقية السلام بين البلدين على المحك منذ هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023 والهجوم الإسرائيلي المضاد.
وقال مسؤول أمني إسرائيلي لصحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية، الاثنين، إن تفكيك القدرات العسكرية لمصر في سيناء “أولوية قصوى” لوزير الدفاع يسرائيل كاتس، مؤكدا أن اتفاقية السلام مع مصر تعزز قدراتها العسكرية قرب الحدود مع إسرائيل، ومطالبا الولايات المتحدة بالتدخل للمساهمة في تحقيق المهمة.
يشكل التوتر بين القاهرة وتل أبيب مادة خصبة للحشد المتبادل، غير أن توالي الاتهامات من إسرائيل، ومطالبة الولايات المتحدة بالتدخل لوضع حد لانتشار الجيش المصري في سيناء، يشيران إلى أن التوتر قد يخرج عن إطار التصريحات الكلامية، مع تصميم الحكومة الإسرائيلية على تمرير مخطط لهجرة قالت إنها طوعية للفلسطينيين، وهو ما تقابله مصر برفض واضح.
استمرار العمليات العسكرية في القطاع وإخفاق الوساطة لوقف الحرب يضاعفان الضغوط على القاهرة
وينعكس التصعيد الإسرائيلي الحالي في غزة على العلاقات بين البلدين، لأن استمرار العمليات العسكرية في القطاع وإخفاق الوساطة المصرية – القطرية في الوصول إلى اتفاق لوقف الحرب يضاعفان الضغوط الاقتصادية والأمنية والسياسية على القاهرة، والتي تحاول ألا تظهر أمام المواطنين أنها تخلت عن القضية الفلسطينية.
وحملت مظاهرات خرجت في ساحات عديدة عقب صلاة عيد الفطر بمصر، الاثنين، رسالة سياسية تشير إلى أن هناك استشعارا عاما للخطر، وأن السلطة تحظى بدعم شعبي يعزز تحركاتها في التعامل مع تزايد التهديدات على الحدود مع غزة.
ولدى كل من مصر وإسرائيل رغبة غير خافية في الحفاظ على اتفاق السلام بينهما، لكن بما يسمح بالتعاطي مع التطورات الأمنية والعسكرية في القطاع، بعد أن تمركزت قوات إسرائيلية في محور فيلادلفيا الفاصل بين مصر والأراضي الفلسطينية والتصميم على عدم الخروج منه، وتعزيز وجود قوات من الجيش المصري في سيناء.
وقال الخبير العسكري المصري اللواء حمدي بخيت إن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة لا تحمل جديدا، وإن تعزيز القدرات العسكرية في سيناء أمر من الطبيعي أن يشكل قلقا في إسرائيل، التي تتغافل عن النظر إلى قدراتها العسكرية الجبارة وحصولها على دعم أميركي سخي، ما جعل مصر تنوع مصادر تسليحها منذ فترة لعدم الانجراف إلى الحرب.
وأضاف لـ”العرب” أن مصر ودولا عربية اعترفت بدولة إسرائيل، والآن الوضع يختلف مع السياسة التوسعية التي تنتهجها الحكومة الحالية، وهناك تصريحات خطيرة تصدر بشكل متكرر من مسؤولين إسرائيليين، بجانب وجود تهديدات متصاعدة في أهم الاتجاهات الإستراتيجية المصرية (الشمال الشرقي)، وهو أكبر دافع إلى تعزيز القدرات العسكرية وزيادة معدلات التسليح في سيناء.
وأشار إلى أن مصر لم تضع أي جندي في سيناء خارج اتفاقية السلام، إلا بموافقة إسرائيل ذاتها، والاتصالات الأمنية بين البلدين خلال السنوات الماضية كان هدفها مواجهة الإرهاب في سيناء، وهو ما دعمته إسرائيل وكانت مستفيدة من تمركز هذه القوات كي تمنع وجود تنظيمات إرهابية على حدودها، ما يضع علامات استفهام أمام القبول بوجود هذه القوات في السابق ورفضها حاليا، وهي ليست موجهة إلى إسرائيل.
وتأتي التصريحات الإسرائيلية الحادة في إطار محاولات تحييد مصر عن دعم القضية الفلسطينية، ومنعها من الوقوف أمام مخطط التهجير، لأن التاريخ يثبت أن الجيش المصري ليس مهاجما، ويركز على حماية المصالح الإستراتيجية، وأن التوترات الحالية في المنطقة تفرض تعزيز القدرات العسكرية على اتجاهات مختلفة.
وحسب تصريحات المسؤول الأمني الإسرائيلي أخيرا، فإن “المشكلة لا تقتصر على دخول قوات عسكرية مصرية إلى سيناء بما يتجاوز الحصص المتفق عليها وفق الملحق العسكري لاتفاقية كامب ديفيد، وإنما تشمل تعزيز البنية العسكرية المصرية بشكل مستمر، وهو ما تعتبره إسرائيل خطوة غير قابلة للتراجع بسهولة.”
ويقول مراقبون إن اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل على المحك منذ وقوع أحداث السابع من أكتوبر 2023 والإجراءات العسكرية التي اتخذها الجيش الإسرائيلي في غزة، وباتت الاتفاقية عرضة لأزمات متعددة، نتيجة سوء فهم أو سوء تقدير أو سوء نية لأي حالة أمنية طارئة.
ويضيف هؤلاء المراقبون أنه حدث استخدام للقوة بأسلوب متهور ضد المدنيين في غزة، ما يجعل الأمور قد تخرج عن نطاق السيطرة إذا اندفع سكان غزة نحو الحدود مع مصر، وهو ما أدى إلى اتخاذ إجراءات تأمينية دفاعية كي تحافظ على الاتفاقية.
وأبلغت مصر الإدارة الأميركية مؤخرا بأن اتفاقية السلام مع إسرائيل تواجه خطرا كبيرا بسبب الخطط المطروحة لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة. وأوضحت القاهرة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل أنها ستقاوم أي مقترح من هذا النوع، وأن اتفاق السلام الذي دام نحو نصف قرن بات مهددا بالانهيار.
وأكد الخبير الأمني المصري اللواء رضا فرحات أن اتفاقية السلام تحكم عملية التواجد العسكري في كل من سيناء المصرية ورفح الفلسطينية، خاصة محور فيلادلفيا في جنوب غزة، وأن دخول القوات الإسرائيلية إلى هذه المنطقة الفاصلة بين مصر والقطاع أحدث توترا أمنيا، وترى القاهرة أن تل أبيب هي التي خرقت البروتوكول الأمني في الاتفاقية أولاً، ولذلك اتخذت مصر إجراءات احترازية على الجانب الآخر.
وأشار لـ”العرب” إلى أن تواجد الجيش المصري في سيناء ساهم في القضاء على الأنفاق التي كان يتم توظيفها في أنشطة التهريب المختلفة بين رفح المصرية ونظيرتها الفلسطينية، وأن القاهرة تؤكد بشكل مستمر التزامها بقواعد القانون الدولي.
ولفت إلى أن القاهرة تتعامل مع اتهامات تل أبيب بدبلوماسية وترفض الانجراف نحو الاستفزاز الذي قد يقود إلى توترات أمنية، وأن النظام المصري مقتنع بأن ويلات الحروب تحتم التعامل مع مثل هذا التصعيد بالطرق السياسية المختلفة، وهناك اقتناع أيضا بأن الاتهامات تستهدف الضغط على مصر لإجبارها على القبول بالتهجير.