روسيا: تحالف مع الحوثيين وسراب صداقة مع الجنوبيين

2025-03-27 04:05
روسيا: تحالف مع الحوثيين وسراب صداقة مع الجنوبيين
شبوه برس - خـاص - عــدن

 

*- شبوة برس - د. حسين لقور بن عيدان

العَلاقة بين روسيا والحوثيين تثير العديد من التساؤلات، خاصة في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا. هناك تساؤلات مشروعة حول ما الذي تسعى روسيا لتحقيقه بالاستفادة من علاقتها "المشبوهة" مع الحوثيين، وما هي الدوافع والمصالح الذي تربط الطرفين؟

 

تَجلَّ الموقف الروسي من بداية الصراع عندما اعترض المندوب الروسي على القرار 2216 الصادر عن مجلس الأمن الدُّوَليّ في أبريل 2015، ثم أن البعثة الدبلوماسية الروسية كانت آخر البعثات التي غادرت صنعاء، عدا الإيرانية، يرى مراقبون أن الدوافع الروسية تبدو مرتبطة برغبتها في إضعاف الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط، واستخدام الحوثيين كورقة ضغط وابتزاز ضد دول المنطقة، خاصة في ظل التوترات حول البحر الأحمر وخطوط الملاحة البحرية.

 

الحوثيون من جانبهم يستفيدون من هذا الدعم لتعزيز موقفهم العسكري ضد الشرعية اليمنية والقوات الجنوبية التي يدعمها التحالف العربي الذي تقوده السعودية، بالإضافة إلى كسب شرعية إقليمية أوسع باستعمال التحالف مع قوة عالمية مثل روسيا، لكن هل تستمر هذه العَلاقة بعد التقارب المحتمل بين ترامب وبوتين؟

 

بالنظر إلى الوضع الحالي، فإن العَلاقة بين روسيا والحوثيين ليست مجرد عَلاقة ظرفية مرتبطة فقط بالحرب في أوكرانيا والصراع الروسي الأمريكي هناك، بل هي جزء من استراتيجية روسية أوسع لتعزيز نفوذها في المنطقة. ومع ذلك فإن استمرار هذه العَلاقة بعد وقف الحرب في أوكرانيا سيعتمد على توازن القِوَى الناتج عن تلك الحرب، ومدى استعداد روسيا للمخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في اليمن. في الوقت الحالي، لا يوجد دليل قاطع يشير إلى أن هذه العَلاقة ستنتهي تلقائيًا بمجرد توقف القتال في أوكرانيا، لكنها قد تتغير في طبيعتها أو تتقلص إذا تحولت الأولويات الروسية نحو إعادة بناء اقتصادها أو التركيز على جبهات أخرى.

 

لذلك، الشكوك حول الدور الروسي في اليمن والجنوب مشروعة تمامًا من قبل الجنوبيين، خاصة أن روسيا تتبع نهجًا براغماتيًا يعتمد على اللعب على أكثر من وتر في المنطقة لضمان مصالحها. هذا النهج يظهر بوضوح في تعاملها المزدوج مع الحوثيين والجنوبيين، وهو ما يظهر استراتيجية أوسع تهدف إلى تعظيم النفوذ بأقل تكلفة ممكنة.

 

من ناحية، العَلاقة بإيران تضع روسيا في صف الحوثيين، في الأقل بشكل غير مباشر. فالتعاون الروسي-الإيراني، الذي تعزز في السنوات الأخيرة نتيجة العقوبات الغربية على الطرفين والحرب في سوريا، يمتد إلى اليمن والجنوب كجزء من مواجهة مشتركة للنفوذ الأمريكي والعربي. تشير تقارير إلى أن روسيا تقدم دعمًا تقنيًا أو لوجستيًا للحوثيين، ربما عبر وسطاء، لتعزيز قدراتهم العسكرية، بما في ذلك الهجمات على السفن في البحر الأحمر. هذا الدعم يصب في مصلحة روسيا لأنه يزعج الولايات المتحدة وحلفاءها ويضعف قبضتهم على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

 

في الوقت ذاته، تحاول روسيا استمالة الجنوبيين في صراعهم من أجل استعادة دولتهم، مستغلة الإرث التاريخي للاتحاد السوفيتي مع الجنوب الاشتراكي سابقًا قبل عام 1990، خلال الحقبة السوفيتية، كانت موسكو داعمًا رئيسيًا لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، حيث قدمت مساعدات عسكرية واقتصادية ودعمت فكرة الاستقلال الجنوبي في 1967.

 

اليوم تستخدم روسيا هذا التاريخ كأداة دبلوماسية لتقديم نفسها كحليف "محتمل" للقوى الجنوبية، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى لاستعادة الهوية الجنوبية وإقامة دولة مستقلة. يظهر هذا التوجه في تصريحات دبلوماسية روسية غامضة أحيانًا، تدعو إلى "حل عادل" للصراع اليمني، دون أن تعارض صراحة تطلعات الجنوبيين ودون أن تعلن دعمها للحقوق الوطنية لشعب الجنوب.

 

هذه اللعبة المزدوجة ليست بلا مخاطر. فمن جهة، دعم الحوثيين يضع روسيا في مواجهة غير مباشرة مع الجنوبيين، الذين يرون في الحوثيين تهديدًا وجوديًا لآمالهم في الاستقلال. ومن جهة أخرى، أي تقارب جدي مع الجنوبيين قد يزعج إيران، الحليف الاستراتيجي الأهم لروسيا في المنطقة. لذا، يبدو أن روسيا تكتفي حاليًا بالمناورة بين الطرفين دون التزام واضح لأي منهما، محافظة على مرونة تتيح لها الاستفادة من أي تطور في المشهد اليمني والجنوبي.

 

في الواقع، يعكس هذا النهج رؤية روسية أوسع تقوم على إبقاء اليمن والجنوب منطقة مضطربة تسيطر عليها توازنات هشة. هذا الوضع يمنح موسكو مساحة للتأثير دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة أو مواجهات مباشرة. قد يصدق بعض الجنوبيين الوعود الروسية بسبب الحنين إلى الدعم السوفيتي السابق، لكن التاريخ يظهر أن روسيا نادرًا ما تضحي بمصالحها الكبرى من أجل حلفاء صغار.

 

إذا اضطرت إلى الاختيار بين إيران والجنوب، فمن المرجح أن تكون الأولوية لإيران لأسباب استراتيجية تتعلق بالشرق الأوسط وأوكرانيا.

 

بالتالي، تبدو اللعبة الروسية في اليمن والجنوب مزيجًا من الانتهازية والحسابات الباردة. وليس هناك ما يشير إلى أن هذا النهج سيتغير قريبًا، سواء استمرت الحرب في أوكرانيا أم توقفت،. الشكوك ستظل قائمة مادام أن روسيا تحافظ على هذا الغموض المقصود في سياستها.