الكذب في السياسة الدولية.. بين النظرية والتطبيق.

2022-02-25 06:43

 

يبدو أن مقولة جوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد الزعيم الالماني أدولف هتلر «اكذب اكذب حتى يصدّقك الآخرون، ثم اكذب أكثر حتى تصدّق نفسك»، هي المبدأ الذي تنتهجه في العصر الحديث كلا من إدارة الرئيس الامريكي جو بايدن ومعه دول حلف شمال الاطلسي (الناتو) في تعاملهم مع الأزمة بين روسيا وأوكرانيا.

 

لن أخوض في أسباب الأزمة الروسية الأوكرانية وخلفية أحداثها، ولكن النظر فيما رافق تلك الازمة من تدليس واكاذيب اسدلت ظلالها على العلاقات الدولية حتى إنها اصبحت احد الأسلحة التي لجأت اليها اطراف الأزمة لتأجيج الموقف. ونجد أن آكثر الاكاذيب شيوعاً وانتشاراً وتصديقا هي تلك المرتبطة بالجوانب الوطنية، وتعزيز الجبهة الداخلية، ووحدة الصف لمواجهة العدوان الخارجي، ترهيب المواطنين وتخويفهم من قدرات العدو. مقابل ان تكون هناك تسريبات من شانها خداع الخصوم وتضليلهم ونشر الذعر بين صفوف قواتهم.

 

كما لوحظ في الآونة الأخيرة تصاعد اتجاهات غير تقليدية للكذب في العلاقات الدولية، يأتي في مقدمتها الخطابات الشعبوية الموجهة مباشرة الى مواطني بلد العدو، وتضليلهم عن حقيقة الأوضاع والتشكيك في قياداتهم السياسية وعدم قدرة قواتهم العسكرية، مع تسريب رسومات بيانية تضليلية للنتائج المدمرة فيما اذا اندلعت الحرب، معززة بالصور والاصوات والوثائق المزيفة.

 

وبالعودة الى موضوع الازمة الروسية الاوكرانية التي انعكست سلبا على العلاقات الروسية الامريكية، نرى ان تلك الازمة مفعمة ببؤرة من الاساليب المضللة والمزاعم الكاذبة يتقاذفها الطرفان. فالولايات المتحدة الأمريكية ما لبثت ان سوقت سلسلة من الأكاذيب والمزاعم الغاية منها التسويق بأن روسيا دولة تهدد ليس فقط الدول المجاورة وانما أيضا الأمن والسلم الدوليين. هذا ما يذكرنا بتلك الاكاذيب التي سبق للولايات المتحدة الامريكية ان روجت لها إبان حروبها السابقة.

 

وهنا نعرض امثلة من تلك الأكاذيب التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخ تعاملها السياسي مع الأزمات الدولية خلال القرنين الماضيين وحتى اليوم..

اولا.. عام 1898 تذرعت الولايات المتحدة بانفجار لم تعرف أسبابه وقع في البارجة «MEN» التي كانت راسية في ميناء هافانا، لدخول الحرب ضد إسبانيا واحتلال جزر الكاريبي للسيطرة على مواردها الطبيعية.

 

ثانيا.. في 16 أكتوبر 1962م كذبت إدارة كينيدي على شعبها والعالم أثناء أزمة الصواريخ الكوبية مع الاتحاد السوفياتي، وهي من وقعت صفقة سرية مع الاتحاد السوفيتي تقضي بان تسحب الولايات المتحدة لصواريخ جوبيتر ذات الرؤوس النووية من تركيا على أن يسحب الاتحاد السوفياتي صواريخه من كوبا، واشترطت على السوفيات عدم الإعلان للرأي العام عن هذه الصفقة.

 

ثالثا.. في الثاني من أغسطس 1964 ولتبرير دخول الولايات المتحدة حرب فيتنام، ادعت واشنطن بأن المدمرة “يو إس إس مادوكس” التي كانت متمركزة في خليج تونكين قبالة سواحل فيتنام تعرضت لهجوم من جانب قوارب طوربيد فيتنامية وكانت هذه الكذبة من صنع وكالة المخابرات CIA.

رابعا.. في الخامس من فبراير 2003 وقف وزير الخارجية الأمريكي ( كولن باول) يعرض أمام مجلس الأمن صوراً ووثائق وخرائط مزيفة عن حيازة العراق أسلحة دمار شامل لتبرير غزو العراق واحتلاله. واعترف (كولن باول) في مقابلة مع قناة CNN قائلا انه خدع من المخابرات وأن هذا الموقف شكل وصمة في تاريخه العسكري والسياسي.

 

خامسا.. حددت إدارة الرئيس الأمريكي الحالي “بايدن” يوم الأربعاء 16 فبراير الماضي 2022م موعد غزو روسيا لجارتها أوكرانيا وشنت حملة إعلامية لا مثيل لها ولا تزال ضد روسيا وقيادتها السياسية حتى اليوم.

 

الخاتمه.. اقترنت السياسة والحروب بالخداع والتدليس ربما منذ ظهورها، إلى أن ظهر المفكر « ميكيافيلي»، فأرسى «الأساس الأخلاقي» لاساليب الكذب والخداع وقنن مداخلها ومخارجها، معلنا صراحة "أن ما يعتبر من الأخلاق الحميدة والاستقامة بين الأفراد، قد لا يصلح في السياسة والحكم والعلاقات الدولية".