انتصار بالإرادة… وهزيمة بالارتهان
شبوة برس – خاص
لم يعد المشهد بحاجة إلى كثير من الشرح، فالصورة باتت مكشوفة إلى حد السخرية السوداء. من كان يُصنَّف خصمًا بالأمس، بات اليوم يفرض شروطه بثقة، ومن كان يرفع شعارات “الشرعية” و”استعادة الدولة” انكمش إلى ظلٍ باهتٍ يتوارى خلف أبواب العواصم، ينتظر ما يُملى عليه دون حتى أن يمتلك جرأة الاعتراض.
في قراءة لما أورده الكاتب صلاح السقلدي، يتضح أن الحركة الحوثية، وبرغم الخلاف الجذري معها في الجنوب ومع شبوة برس، نجحت في فرض معادلتها على طاولة التفاوض. فعلت ذلك لا لأن مشروعها مقبول، بل لأنها امتلكت ما افتقده خصومها: إرادة صلبة، وثبات على الهدف، واستعداد لتحمّل الكلفة. وهذه حقائق لا يمكن إنكارها حتى من أشد معارضيها.
في المقابل، تبدو السلطة التي تُسمى “شرعية” وكأنها نموذج حيّ للارتهان السياسي، حيث تُدار الملفات المصيرية بمعزل عنها، بينما تكتفي بالصمت الذي لم يعد يُفسَّر إلا كعجز أو تواطؤ. والأسوأ من ذلك أن من باعوا شعارات الكرامة والسيادة مقابل امتيازات مؤقتة، لم يجنوا سوى التهميش والإقصاء، حتى من قبل من راهنوا عليهم.
شبوة برس ترى أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن من يرفعون لواء “الدفاع عن الوطن” لم يستطيعوا الدفاع حتى عن موقعهم على طاولة التفاوض، بينما خصمهم، الذي يختلف معه الجنوب جذريًا، استطاع أن يُقصي الجميع ويفرض نفسه طرفًا وحيدًا في معادلة معقدة.
ومع ذلك، فإن هذا “الانتصار” لا يغيّر من حقيقة الصراع بالنسبة للجنوب. فالمشروع الحوثي، مهما بدا متماسكًا، يظل مشروع هيمنة لا يختلف في جوهره عن محاولات إخضاع الجنوب وإعادة إنتاج السيطرة عليه. وهو ما يرفضه الجنوبيون رفضًا قاطعًا، انطلاقًا من حقهم في تقرير مصيرهم واستعادة دولتهم.
لكن الدرس القاسي الذي يفرض نفسه اليوم هو أن القضايا لا تُنتزع بالارتهان، ولا تُصان بالولاءات المؤقتة. الإرادة وحدها هي التي تصنع الفارق، والرهان على الخارج دون امتلاك مشروع وطني مستقل لن يقود إلا إلى مزيد من التبعية والانكشاف.
في النهاية، قد يختلف الجنوب مع الحوثيين في كل شيء، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل حقيقة أنهم انتزعوا موقعهم بإصرار، بينما أضاع الآخرون مواقعهم بأيديهم، وباعوا ما لا يُباع… فخسروا حتى حق الندم.