في خطوة أثارت موجة من الاستنكار والغضب الشعبي في أوساط أبناء حضرموت والجنوب العربي عموماً، أصدر المحافظ سالم الخنبشي، وهو أيضاً عضو فيما يسمى "مجلس القيادة الرئاسي"، توجيهات صارمة تمنع رفع علم الجنوب العربي وصور الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، وأمر بإنزالها أينما وُجدت. هذا القرار يأتي في توقيت بالغ الدلالة، ليؤكد مجدداً للجنوبيين أن الأولويات لدى سلطات الاحتلال اليمني في المحافظات المحتلة لا تزال قائمة على وأد الهوية وقمع الرمز، قبل النظر في هموم المواطن اليومية.
جاءت هذه التوجيهات لتُسقط قناع الادعاءات بالشراكة، وتُظهر الوجه الحقيقي للسلطة التي تدير المحافظة، والتي ترفض الاعتراف بأبسط حقوق أبناء الجنوب في التعبير عن انتمائهم وهويتهم التاريخية. وقد قوبل القرار برد فعل شعبي عارم، حيث خرج أبناء حضرموت في مشاهد تحدٍ واضحة، رافعين أعلام الدولة الجنوبية وصور الرئيس الزبيدي في شوارع المكلا، في رسالة مفادها أن الهوية الجنوبية ليست ورقة يمكن طيها بقرارات فردية.
الرئيس الزبيدي خارج "الرئاسي"... والرمز يبقى
هنا لا بد من التوقف عند تطور سياسي بالغ الأهمية، وهو قرار مجلس القيادة الرئاسي (التابع للشرعية اليمنية) في يناير 2026 بإقالة الرئيس عيدروس الزبيدي من عضوية المجلس وإحالته للنيابة بتهم "الخيانة العظمى". هذا القرار، الذي جاء بعد توترات ومواجهات، يكشف بوضوح طبيعة الصراع داخل معسكر الاحتلال نفسه، ويؤكد أن القوى اليمنية - ممثلة بمجلس الرئاسة - تعتبر القضية الجنوبية مجرد ورقة ضغط أو ترس في لعبة سياسية يمكن التخلص منه عند الحاجة.
لكن المهم هنا، أن هذا القرار لم ولن يغير من مكانة الرئيس عيدروس الزبيدي كرمز وقائد للمشروع الوطني الجنوبي. فالتفاف أبناء حضرموت والجنوب حول صورته ورفعهم لأعلام الدولة الجنوبية بعد القرار مباشرة، وفي مواجهة تهديدات الخنبشي، هو دليل ساطع على أن الرمزية الوطنية لا تُمنح بقرارات من صنعاء أو الرياض، بل تنبع من إرادة شعبية حرة تأبى الانكسار. إن إصرار المحافظ الخنبشي على منع رفع هذه الصور بعد إقالة الزبيدي من منصب لا يمثله أصلاً، يكشف أن المعركة الحقيقية هي مع الهوية الجنوبية ذاتها، وليس فقط مع شخص الرئيس.
المواطن بين فكّي الفقر والقمع السياسي
يأتي هذا التصعيد السياسي في وقت يعيش فيه المواطن في حضرموت والجنوب عموماً أوضاعاً معيشية كارثية. فخط الفقر قد لامس الجميع، والفساد مستشرٍ في مفاصل الدولة، والخدمات الأساسية شبه منعدمة، بينما تنهب ثروات المحافظة النفطية تحت أعين الجميع. كان كل شيء على ما يرام، أو هكذا يدّعون، ولم يكن ينقص المواطن سوى أن ينزل علم دولته وصورة رمزه ليكتمل همّه؟!
إن الانشغال بمطاردة الأعلام والصور على حساب توفير لقمة العيش والدواء والتعليم، هو تجسيد حقيقي لسياسات التجهيل والتجويع التي تمارسها قوى الاحتلال. إنه يؤكد للجنوبيين مرة تلو الأخرى أن لا خلاص لهم إلا باستعادة دولتهم الجنوبية العربية كاملة السيادة، دولة تليق بتضحيات شعبها وتاريخه العريق. هذه الإجراءات لن تزيد أبناء الجنوب إلا تمسكاً بهويتهم ورموزهم، ولن تزيد قناعتهم إلا رسوخاً بأن "الوحدة" كانت وما زالت مجرد مشروع احتلال فاشل، وأن طريق استعادة الدولة هو الطريق الوحيد لضمان الكرامة والحرية والحياة الكريمة.
عدن 15 مارس 2026