منذ فجر التاريخ، ظل الجنوب العربي شامخًا كجباله الراسيات، وأهله كأشجار البان التي تزداد رسوخًا كلما هبت العواصف. ورغم كل المحن والتحديات التي مرت بها هذه الأرض الطيبة، بقيت الإرادة الجنوبية صلبة، وكسرت كل محاولات الخضوع والانكسار.
عواصف الأمس واليوم
تعاقبت على الجنوب عواصف كثيرة، بعضها كان سياسيًا وبعضها عسكريًا وبعضها اجتماعيًا واقتصاديًا. كل منها كان يحمل في طياته محاولة لثني أبناء الجنوب عن حلمهم المشروع في الحرية والكرامة.
في الماضي، كانت هناك عواصف التهميش والإقصاء، حين حاول البعض طمس الهوية الجنوبية وتذويبها في مشاريع لا تمت لأهل الجنوب بصلة. لكن الجنوبيين كانوا كالجبل الأشم، يسمعون زئير الرياح ولا يتزحزحون.
وفي فترات لاحقة، هبت عواصف الحرب والصراع، التي زرعت الخراب في كثير من البقاع. ومع ذلك، خرج أبناء الجنوب من تحت الأنقاض حاملين راية الصمود، معيدين بناء ما تهدم، ومتمسكين بأرضهم أكثر من أي وقت مضى.
لماذا لا ينحني الجنوب؟
الجنوب لا ينحني لأنه يملك إرثًا تاريخيًا عريقًا. فهذه الأرض احتضنت حضارات جنوبية أصيلة ازدهرت على مر العصور، من حضرموت وأوسان إلى قتبان ومعين، مرورًا بممالك حمير التي كانت من أبرز القوى في الجزيرة العربية، تاركة إرثًا خالدًا في الهندسة والزراعة والكتابة.
الجنوب لا ينحني لأن أهله يدركون أن الكرامة أغلى من أي شيء آخر. فالإنسان الجنوبي، أينما حل، يحمل في جيناته عزة النفس ورفض الذل، ويتناقلها من جيل إلى جيل كأنها وصية مقدسة.
الجنوب لا ينحني لأن قضيته عادلة. وأهل الحق يعلمون أن الطريق قد يكون طويلاً ومليئًا بالعقبات، لكن النهاية ستكون لصالحهم.
شهادة التاريخ
التاريخ يشهد أن الجنوبيين لم يركعوا أمام المستعمر البريطاني طوال ١٢٩ عامًا، وقاوموه بكل بسالة حتى نالوا استقلالهم في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧. كما أنهم لم يخضعوا لكل محاولات السيطرة والهيمنة التي تلت ذلك.
واليوم، ورغم كل التحديات، نرى أبناء الجنوب في كل مكان: في الميادين يدافعون عن الأرض، وفي مواقع العمل يبنون المستقبل، وفي المحافل الدولية يرفعون الصوت بالحق.
هيهات... هيهات
لكل من ظن أن العواصف ستكسر إرادة الجنوب، نقول: هيهات هيهات. فالجنوبي كالطود الأشم، تعصف به الرياح فيزداد صلابة. وكالنخلة السامقة، كلما اشتدت العاصفة، تعمقت جذورها في الأرض.
الجنوب لن ينحني... لأنه يعرف طريقه جيدًا. يعرف أن بعد العسر يسرًا، وأن الفجر لا يأتي إلا بعد ظلام حالك، وأن الأمم لا تُبنى إلا بالتضحيات.
ختامًا:
يبقى الجنوب في قلوب أبنائه، وتبقى قضيته حية ما تعاقب الليل والنهار. ومهما اشتدت العواصف، سيبقى الجنوبيون كما عهدناهم دائمًا: شموخًا لا ينكسر، وعزة لا تُقهر.