شبوة برس – رامي الردفاني
يشهد الجنوب العربي مرحلة دقيقة تتسارع فيها الأحداث وتتعمق معها حالة الاحتقان، في ظل استمرار التضييق على الفعاليات الشعبية السلمية، وآخرها ما تعرض له متظاهرون في محيط قصر معاشيق بالعاصمة عدن. هذه التطورات لم تعد تُقرأ كوقائع عابرة، بل كمؤشرات على أزمة ثقة متنامية بين الشارع والجهات التي تعتمد المقاربة الأمنية في التعامل مع المطالب السياسية.
التجارب تؤكد أن سياسات القمع لا تصنع استقرارًا دائمًا، بل تؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية. وفي الجنوب، يبدو هذا الإدراك حاضرًا بقوة؛ فكل محاولة لإسكات الصوت الشعبي تقابلها موجة إصرار جديدة على التمسك بحق التعبير وتصعيد أدوات النضال السلمي دفاعًا عن الكرامة والهوية والحقوق السياسية.
الجنوبيون الذين قدموا تضحيات جسامًا على مدى سنوات، ينظرون اليوم إلى دماء الشهداء باعتبارها أمانة وطنية تعزز وحدة الصف وترسخ القناعة بعدالة القضية. ومن هنا، فإن أي محاولات للترهيب أو إنهاك الشارع لن تفضي إلى تراجع، بل قد تدفع نحو مزيد من التلاحم الداخلي وترتيب الصفوف في مواجهة ما يُنظر إليه كمشاريع تنتقص من تطلعات شعب الجنوب.
في هذا السياق، يبرز الالتفاف الشعبي حول قيادة الجنوب ممثلة بالرئيس عيدروس الزُبيدي، بوصفه تعبيرًا عن إرادة سياسية تسعى لحماية المكتسبات وتعزيز الحضور الجنوبي في المشهدين الإقليمي والدولي. كما تؤكد القوات المسلحة الجنوبية حضورها كركيزة لحماية الاستقرار، في ظل بيئة إقليمية معقدة وحسابات متشابكة.
الغضب الشعبي لم يعد محصورًا في فئة بعينها، بل امتد إلى مختلف المحافظات والشرائح الاجتماعية، ما يعكس اقتراب سقف الصبر من حدوده القصوى. والرسالة التي يبعثها الشارع واضحة: تجاهل المطالب العادلة والاستمرار في سياسة الاستفزاز قد يفتحان الباب أمام موجة احتجاجات أوسع وأكثر تنظيمًا، بما يعيد صياغة المشهد السياسي برمته.
في المقابل، يظل ملف الدماء حاضرًا بقوة في الوجدان الجمعي. فالمطالبة بالمحاسبة لم تعد شعارًا سياسيًا، بل التزامًا أخلاقيًا تجاه أسر الشهداء وكل من تضرر من العنف. العدالة هنا ليست بندًا قابلًا للتأجيل أو المساومة، بل شرطًا جوهريًا لأي استقرار مستدام وأي تسوية جادة.
الجنوب يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما فتح مسار حقيقي للمساءلة والإنصاف والاستجابة الصادقة لمطالب الشارع، أو الاستمرار في النهج الأمني بما يحمله من مخاطر انفجار شعبي تتجاوز تداعياته الحسابات الضيقة. وفي جميع الأحوال، تبقى الحقيقة راسخة: لا استقرار بلا عدالة، ولا مستقبل يُبنى إلا بإرادة شعبه الحرة.