حين يُختزل الجنوب في "قضية عادلة".. يبدأ الخطأ السياسي

2026-04-07 17:38
حين يُختزل الجنوب في "قضية عادلة".. يبدأ الخطأ السياسي
شبوه برس - متابعات - اخبارية

 

 

*- شبوة برس - هاني سالم مسهور

ليس أخطر ما يحدث في جنوب اليمن اليوم هو حجم الانتهاكات، بل تحوّلها إلى مشهد اعتيادي لا يستفز الضمير الدولي.

 

حين تُترك الأزمات خارج أولويات العالم، لا تختفي، بل تُعاد صياغتها كوقائع يومية بلا مساءلة، وكأنها جزء من طبيعة المكان لا نتيجة لخلل سياسي يمكن معالجته، هذه ليست مجرد أزمة داخلية، بل انعكاس مباشر لاختلال مقاربة المجتمع الدولي تجاه ملفات معقدة يُفضّل إبقاءها في الهامش.

 

من هنا تبدو حضرموت اليوم نموذجًا مكثفًا لهذا التناقض، ما يجري فيها لا يمكن اختزاله في توصيفات أمنية أو نزاعات محلية، بل يعكس حالة أوسع من غياب التوازن بين السلطة والمساءلة، حين تغيب المرجعيات الواضحة، وتُدار الأزمات بمنطق رد الفعل، تصبح الانتهاكات نتيجة طبيعية، لا استثناءً طارئًا.

 

غير أن الخطأ الأكبر في مقاربة هذا الملف لا يكمن فقط في الصمت الدولي، بل في طريقة توصيف القضية الجنوبية ذاتها، الإصرار على تقديمها بوصفها "قضية عادلة" هو في حد ذاته تقزيم لها. القضايا لا تُدار بمنطق الأخلاق فقط، بل بمنطق السياسة، وما تمتلكه القضية الجنوبية اليوم يتجاوز بكثير توصيف العدالة، فهي قضية سياسية مكتملة الأركان، لها بنيتها التمثيلية، ومسارها التاريخي، وأدواتها التنظيمية.

 

هذا التوصيف ليس إنشائيًا، بل يستند إلى وقائع واضحة بدأت مع إعلان عدن التاريخي عام 2017، الذي منح تفويضًا شعبيًا معتبرًا لتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي كإطار سياسي جامع، هذا التفويض لم يكن لحظة عاطفية عابرة، بل تعبيرًا عن إرادة سياسية منظمة، أعادت تعريف التمثيل في الجنوب.

 

ثم جاء الميثاق الوطني عام 2023، بوصفه خطوة نوعية نحو توحيد التيارات الجنوبية ضمن رؤية سياسية مشتركة، بعد حوار داخلي واسع، نقل القضية من حالة التشتت إلى حالة أكثر تماسكًا، ولم يتوقف المسار عند هذا الحد، بل تطور مع الإعلان الدستوري الصادر في 2026، الذي قدّم إطارًا قانونيًا يعكس نضج المشروع السياسي الجنوبي، ويؤكد انتقاله من مرحلة المطالبة إلى مرحلة البناء المؤسسي.

 

هذه المحطات تمثل ما يمكن تسميته بـ"مستحكمات القضية الجنوبية"، أي الأسس التي لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها في أي مقاربة سياسية جادة، تجاهل هذه المستحكمات لا يؤدي إلى حل، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ مختلفة.

 

من هنا، فإن أي حديث عن تجاوز المجلس الانتقالي الجنوبي أو إقصائه لا يمكن قراءته كإجراء إداري أو سياسي عابر، بل كخلل جوهري في فهم طبيعة التمثيل السياسي في الجنوب، فالمجلس لم ينشأ بقرار فوقي، بل بتفويض شعبي، وأي محاولة لتجاوزه تعني عمليًا تجاوز الإرادة التي أنتجته.

 

صحيح أن القضية الجنوبية تعرضت لانتكاسات، خاصة في ظل التحريض الذي مارسته قوى الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان والحوثيين، لكن هذه الانتكاسات لا تلغي جوهر القضية، ولا تعيد تعريفها من الصفر، بل على العكس، تؤكد الحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية تعترف بالفاعلين الحقيقيين على الأرض، بدل محاولة استبدالهم بقوى لا تمتلك نفس الشرعية أو القبول.

 

الإشكالية هنا أن بعض المقاربات الإقليمية والدولية لا تزال تتعامل مع الجنوب بوصفه فراغًا يمكن ملؤه، لا كحالة سياسية مكتملة، وهذا خطأ استراتيجي، لأن الفراغات تُدار، أما الكيانات السياسية فتُفاوض، تجاهل هذا الفارق هو ما أدى إلى إطالة أمد الأزمة، وإبقاء الحلول في دائرة الدوران.

 

المفارقة أن المجتمع الدولي، الذي تعامل بحزم مع قضايا مشابهة في مناطق مثل كوسوفو، وفعّل أدوات قانونية في حالات مثل السودان، لا يزال يتعامل مع الجنوب العربي بمنطق أقل وضوحًا، رغم توفر عناصر سياسية وقانونية قابلة للبناء عليها.

 

 لم تعد القضية الجنوبية بحاجة إلى من يمنحها صفة "العدالة"، بل إلى من يتعامل معها كحقيقة سياسية قائمة، المطلوب ليس إعادة توصيفها، بل إعادة إدراجها في سياق الحلول الدولية، عبر الاعتراف بمستحكماتها، والانطلاق منها لا الالتفاف عليها.

 

فالقضايا التي تُدار خارج واقعها، تبقى عالقة، أما القضايا التي يُعترف بطبيعتها، فتمتلك فرصة حقيقية للحل.

 

واقعية المشهد الدموي في حضرموت وحتى الحالة المتردية للخدمات الأساسية هي ما تستدعي الإقرار بأن هذا الواقع هو مقدمات انفجارات سياسية كبرى يمكن تلافيها بإعادة تصحيح المواقف السياسية ورد الاعتبار للقضية الجنوبية، العودة خطوات للوراء فيه احترام لحرمة الدم الجنوبي الذي يراق بلا رادع، الخطأ في التعريف هو الذي قاد للقتل الوحشي وهو ما تريده جماعة الإخوان بالغرق في بحر من الدماء والثارات.