الوحدة: حينما يتحول الشريك إلى سمسار

2026-02-24 14:45

 

لطالما كانت الشعوب تبحث في التكتلات والوحدات السياسية عن القوة والرفاه والأمان. لكن التجربة الجنوبية مع الوحدة لم تكن سوى رحلة قاسية من التجريد؛ تجريد الأرض من هويتها، وتجريد الثروة من أصحابها، وتحويل "الشراكة" إلى عملية استثمارية يديرها "تجار الحروب" ومن يبيعون السيادة في مزادات الأجندات الخارجية.

 

ثرواتنا.. وقود لرفاهية غيرنا

من حق أي مواطن جنوبي اليوم أن يسأل: كيف لنا أن نستمر في عقد سياسي يمنح "الآخر" الحق في التوقيع على عقود ثرواتنا النفطية والغازية وموانئنا الاستراتيجية، بينما يعيش المواطن في عدن والمكلا وشبوة تحت وطأة انقطاع الكهرباء وانهيار العملة؟

 

إن ما يحدث ليس مجرد سوء إدارة، بل هو "اتجار منظم". فالثروة التي تخرج من باطن الأرض الجنوبية لا تعود كنفع عام، بل تتبخر في حسابات عابرة للحدود، أو تُستخدم كأوراق ضغط سياسية لضمان بقاء قوى لم تقدم للجنوب سوى الخراب منذ عام 1994م.

 

الأجنبي والوكيل المحلي

الأخطر في المشهد الحالي هو دور "الوكيل المحلي" الذي يشرعن للأجنبي وضع يده على المقدرات. إن من يتاجر بالأرض لا يرى فيها وطنًا، بل يراها "غنيمة" أو "عقارًا" معروضًا للإيجار الطويل. وعندما تصبح السلطة مجرد مكتب سمسرة لتوزيع الامتيازات النفطية والبحرية بعيدًا عن الرقابة الشعبية، تسقط المشروعية الأخلاقية والقانونية لما يسمى بـ"الوحدة".

 

لماذا الرفض هو الخيار المنطقي؟

إن البقاء في وضع "المستباح" تحت مسمى الوحدة هو انتحار بطيء. الشعوب لا تتوحد لتجوع، ولا تتحالف لتهان. إن الاستمرار في هذا المسار يعني:

 

استنزاف المقدرات: ضياع حقوق الأجيال القادمة في الثروات الناضبة.

طمس الهوية: تحويل الجنوب إلى مجرد "ملحق" جغرافي لا يملك قرار سيادته.

التبعية المطلقة: تحكم القوى الخارجية بالقرار الوطني عبر شراء ذمم النخب المتاجرة.

 

القرار للسيادة لا للشعارات

الوحدة التي لا تحمي الأرض، ولا تصون الثروة، ولا تحترم كرامة الإنسان الجنوبي، ليست إلا "احتلالًا بزي مدني". إن الحفاظ على ما تبقى من مقدرات الجنوب يتطلب وقفة جادة تتجاوز الشعارات العاطفية، فمن يبيع ثروتك اليوم للأجنبي لن يتردد في بيع مستقبل أبنائك غدًا. السيادة على الأرض والثروة هي جوهر الوجود، ومن يفرط فيها فقد فرط في الوطن.

 

جمال الزوكا

24/2/2026