الريال اليمني والسلع الاستهلاكية: فجوة الصرف الكاشفة لفجوة المصداقية

2025-08-28 20:45
الريال اليمني والسلع الاستهلاكية: فجوة الصرف الكاشفة لفجوة المصداقية
شبوه برس - خـاص - عــدن

 

*- شبوة برس - حافظ الشجيفي

يمر الشعب الجنوبي في المناطق المحررة بمرحلة اقتصادية حرجة تكشف بوضوح عن الفجوة العميقة بين القرارات الرسمية المعلنة والواقع المعيشي المُر الذي يعيشه الشعب، حيث تشهد الساحة ظاهرة اقتصادية غريبة تتناقض مع كل القواعد الاقتصادية الكلاسيكية المعروفة، فبعد أن شهدت أسعار الصرف تحسنا ملحوظا واستقر الريال اليمني عند مستوى 425 ريالا للريال السعودي، كان المتوقع أن تتبعها أسعار السلع الأساسية والاستهلاكية على نفس المسار التنازلي بما يتناسب مع نسبة انخفاض سعر الصرف التي بلغت 44%، ولكن الذي حدث كان مخيبا للآمال ومثيرا للاستفهام، حيث لم تنخفض الأسعار إلا بنسبة ضئيلة لا تتجاوز 8.5%، مما يعني أن المواطن لم يحصل على أي فائدة حقيقية من تحسن قيمة عملته الوطنية.

 

وبينما قام البنك المركزي في عدن بتفعيل آلية اعتمادات الاستيراد للتجار والمستوردين، مُعلنا أن الهدف هو تحقيق الاستقرار والتوازن في السوق وتمرير فائدة انخفاض سعر الصرف إلى المستهلك النهائي، إلا أن هذه الآلية جاءت شكلية بحتة ولم تمس جوهر المشكلة، فالتجار حصلوا على العملة الأجنبية بالسعر الرسمي المنخفض، ولكنهم لم يخفضوا أسعار بيع السلع بالمعدل المتكافئ، مما يعني أنهم حققوا أرباحا طائلة على حساب جيوب المستهلكين الذين كانوا يأملون في أن تنجح هذه الإجراءات في تخفيف الأعباء المعيشية المتزايدة عنهم.

 

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو التدخل الحكومي المباشر عبر مكاتب وزارة الصناعة والتجارة بفرض تسعيرة محددة على السلع، وهو تدخل كان من المفترض أن يحمي المستهلك ويضمن عدالة الأسعار، ولكن النتيجة كانت عكسية تماما، حيث أدى هذا التدخل إلى تشويه آلية السوق الطبيعية وأعطى ذريعة للتجار للتملص من مسؤولياتهم، فبدلا من أن يؤدي انخفاض سعر الصرف إلى انخفاض تلقائي في الأسعار كما حدث في السابق دون الحاجة إلى تدخل حكومي، أصبحنا أمام واقع جديد تُحدد فيه الأسعار بشكل تعسفي وبعيد عن معايير العرض والطلب والتكلفة الحقيقية، مما أدى إلى تجميد الأسعار عند مستويات عالية لا تعكس تحسن قيمة الريال اليمني.

 

إن هذا الفارق الكبير بين سعر الصرف وسعر السلع، واستمرار بيع المواد الاستهلاكية بسعر صرف يتراوح بين 550 و600 ريال للريال السعودي، هو دليل واضح على عدم جدية الحكومة في معالجة الأزمة، بل إنه يؤكد أن هناك أطرافا تستفيد من استمرار هذه الفجوة وتعمل على إبقاء الوضع على ما هو عليه لتحقيق مكاسب سياسية على حساب معاناة الشعب.

 

هذه الممارسات تؤكد بما لا يدع مجالا للشك فيه بأن المعاناة الحقيقية للمواطن لم تكن في صلب اهتمام هذه الإجراءات، بل إن النتيجة النهائية كانت زيادة في هوامش ربحية لفئات معينة على حساب القوة الشرائية للأغلبية الساحقة من الناس، الذين لم ينعموا بثمار تحسن سعر الصرف، بل إنهم ما زالوا يتحملون أعباء أسعار مرتفعة لا تتناسب مع دخولهم المحدودة.

 

إن هذا الوضع ليس مجرد إشكالية اقتصادية عابرة، بل هو قضية سياسية بالدرجة الأولى، تطرح تساؤلات كبيرة حول مصداقية المؤسسات وفعاليتها، وتكشف عن عمق الفجوة بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية، وهو ما يستدعي مراجعة حقيقية وشجاعة لكل هذه الآليات، والتحقيق في أسباب تعطلها، ومحاسبة المقصرين والمتلاعبين بها، لأن استمرار هذا الوضع لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإفقار والتجهيل للمواطن، ومزيد من فقدان الثقة في قدرة الدولة على إدارة الملف الاقتصادي، وهو ما يمثل تهديدا مباشرا للاستقرار الاجتماعي وللمشروع الوطني برمته.

 

والخلاصة أن الاقتصاد في المناطق المحررة بحاجة إلى سياسات حقيقية وشفافة، قائمة على الرقابة الفعالة والمحاسبة، وليس على الإجراءات الشكلية والخطابات التضليلية، فمعاناة الشعب لا تحتمل المزيد من التجارب السياسية الفاشلة، والحل يبدأ بالاعتراف بالخطأ وإرادة الإصلاح الحقيقية.